الجمعة، 23 يوليو 2021

كتاب (سيدة الإماء) للشيخ أحمد سلمان

 


بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب: سيدة الإماء "تحقيق في هوية وسيرة السيدة نرجس عليها السلام"

المؤلف: الشيخ أحمد سلمان

الناشر: دار الولاء بيروت

تاريخ الطبع: الطبعة الأولى 1442هـ (2021م)

عدد الصفحات: 137 صفحة

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

 التعريف بالكتاب:

يتناول الباحث عن جزئية مهمّة من ملف القضية المهدوية، والتي لا زالت بحاجة إلى أبحاث كثيرة رغم ما كُتب عنها من بحوث في جميع زواياها، فسيرة أم الإمام المهدي عليه السلام السيدة/ نرجس، تعتبر شبه غامضةٍ بشكل عام، لكن بمهارة الشيخ الباحث كشف الغموض عن بعض ما يلفها، وذلك بمراجعة الكثير من المصادر ذات الصلة في هذا الأمر، حيث بدأ بكشف التهمة المنسوبة إلى الشيعة الإمامية بأن لا مهدي موجود، بحجّة كثرة التسميات لوالدته التي تفيد أن خلف المسألة مجموعة من الذين مارسوا صناعة هذه المسألة، إلا أن الشيخ جمع الروايات الواردة في مسألة تعدد التسميات، وإزاحة اللثام عن الحقيقة بما يمتلك من أدوات بحثٍ في هذا الموضوع، ليستقر رأيه في النهاية إلى أن اسمها (نرجس) بناءً على مفاد الروايات، مع التعرّض إلى مناقشة الروايات التي قالت بغير ذلك، كذلك التعريج على أن بعض التسميات لقبٌ وليس اسمٌ وهو ما فرضته طبيعة الظروف المحيطة بولادة الإمام المهدي عليه السلام من رهاب السلطة العباسيّة.

 تأتي المسألة الأخرى والتي ساهمت يراعة الباحث في كشف الغموض عنها، وهي: قصة سبيها وقدومها من الروم، أو أنها سنديّة أو مغربية أو نوبيّة، فإن الباحث يفنّد مسألة أنها روميّة الأصل وذلك بمتابعة ملف القضية إبّان أحداث تلك الفترة في كتب التاريخ وأن هذه الرواية من صنع الغلاة، وأن الراوي لها ليس محل اطمئنان وثقة، ومع مناقشة الآراء الواردة في أصل مجيئها فإنه يستقرّ على أنها نوبيّة ولدت في بيت السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام، عمّة الإمام الحسن العسكري عليهما السلام، وأنها تربية السيدة حكيمة والتي اعتنت بها منذ ولادتها، يضاف في هذا الصدد أن للسيدة نرجس مكانة عظيمة، يستفاد ذلك من الروايات الواردة على ألسن أئمة أهل البيت عليهم السلام، الذين نعتوها بنعوت المدح والثناء، بدءاً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وحتى حكيمة بنت الجواد عليها السلام، حيث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: (بأبي ابن خيرة الإماء ابن النوبيّة الطيبّة الفم، المنتجة الرحم ...الخ).

الأمر الآخر الذي كان محل بحث وتنقيب، هو: أن السيدة نرجس سُجنت أكثر من مرّة من قبل العباسيين؛ نتيجة لجهودها ونشاطها في الحفاظ على الشيعة نتيجة الرقابة التي فُرضت على بيت الإمام العسكري عليه السلام، ودور جعفر الكذّاب في هذه المسألة بتواطئه مع العباسيين وأحداث أخرى، وأنها بقيت بعد استشهاد العسكري عليه السلام إلى أكثر من عشرين عاماً، حيث سُجنت في قصر أحد خلفاء بني العبّاس فماتت حينها في السجن.

 ختاماً:

جزى الله الشيخ الباحث خير الجزاء، على معالجته عدة مواضيع وتساؤلات ذات صلة بأم الإمام المهدي عليه السلام، والتي نحن بحاجة إلى معالجة تلك الإشكالات وفق مصادر أوليّة وذات صلة بالموضوع، وإني أنصح الأخوة المعنيين بالقضية المهدوية الاطلاع على هذا الكتاب؛ لأن هذه الأسطر لا تفي بالتعريف، خصوصاً وأن في الكتاب مناقشات كثيرة لبعض المعلومات التاريخية والروائية حرية باطلاع المهتمين.


الاثنين، 19 يوليو 2021

المجلد الأول من (هدي العقول إلى أحاديث الأصول)

 


بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب: هدي العقول إلى أحاديث الأصول (1/2)

المؤلف: الشيخ/ محمد بن عبدعلي آل عبدالجبار

تحقيق الأستاذ/ أحمد عبدالهادي المحمد صالح

الناشر: دار المحجة البيضاء بيروت + منشورات لجنة التحقيق والنشر التابعة للمرجعية الأحقاقية

تاريخ النشر: الطبعة الأولى 1442هـ (2021م)

 

عرض وتعريف: عبدالله بن علي الرستم

 التعريف:

يعد الشيخ/ محمد بن عبد علي آل عبدالجبار القطيفي (ت 1252هـ) من كبار علماء الإمامية، وما يكشف عن مكانته العلمية هو ما أشار إليها كثيرٌ ممن ترجم له، ومنهم صاحب كتاب "معجم طبقات المتكلمين" حيث قال عنه: (من أجلاء فقهاء الإمامية وكبار علمائهم ... وحاز ملكة الاجتهاد، وتمكّن من شتّى العلوم والمعارف الإسلامية، ودرّسَ وأفاد وألّف)، وغيره ممن ترجموا له، فقد ترك من المؤلفات ما يصل إلى أكثر من مائة مصنّف بين كتاب ورسالة، وبعض هذه الكتب يتكون من عدة أجزاء، ومنها كتابه المشهور (هدي العقول إلى أحاديث الأصول) الذي صدر عام 1425هـ في تسعة مجلدات عن دار المصطفى لإحياء التراث، وبقيت منه مجلدات أخرى غير المطبوعة، حيث إن الكتاب يقع في 15 مجلداً كما ذكر مترجموه، إلا أن المجلد الأول كان مفقوداً حال الطبع، وقد ساقت الأقدار أن يتم الحصول على المجلد الأول في إحدى المكتبات المحلية؛ ليأتي الدور على تحقيقه وطباعته بشكل لائق يتناسب وحجم الكتاب والمؤلّف، وهذا ما قام به الأستاذ/ أحمد بن عبدالهادي المحمد صالح الذي شمّر عن ساعديه مجداً ومجتهداً في القيام بما يتوجّب عليه إزاء كتابٍ نفيسٍ كـ(هدي العقول).

ومن المعروف عن الأستاذ/ أحمد أنه إذا بدأ في تحقيق كتابٍ فإنه يواصل العمل دون كلل أو ملل، ولا يهدأ له بالٌ حتى ينجزه في وقت قياسي، متجاوزاً العقبات والعثرات التي تحصل خلال عمله التحقيقي، وقد لمستُ هذا من خلال معرفتي به (وفقه الله وسدد خطاه)، وتحقيق كتابٍ كـ(هدي العقول) لاشك أن الكثير ينتظره - خصوصاً مع فقدان المجلد الأول كما أسلفتُ القول ليسد الفراغ للطبعة التي صدرت بدونه، والذي يعد من الكتب المهمّة في بابه، فقد بذل المحققُ جهده في تخريج النص، والمقارنة بين النسختين من الكتاب المخطوط، مع إضافة العناوين الفرعية التي تسهّل فهم المطالب، وكذلك مسألة تخريج النصوص التي ربما بحاجة إلى جهدٍ آخر غير ضبط النص، وغيرها من المسائل التي يتطلبها العمل في تحقيق كتابٍ له مكانته العلمية في التراث الإمامي، وليس جديداً على المحقق الخوض في هذا الأمر، وعن هذه الشخصية كذلك، فقد ترجم له في كتابه (أعلام مدرسة الشيخ الأوحد في القرن الثالث عشر) المطبوع عام 1427هـ، بشكل موجز، إلا أن الترجمة هنا جاءت بشكل أشمل مما ذكره في كتابه آنف الذكر.

 

جاء الكتاب في طبعته الجميلة والذي احتوى على مقدمة موجزة، فيها شيء من ترجمة المؤلف وذكر جميع مصنّفاته، وخطة عمل المحقق لهذا السِّفر، وقد جاء الكتاب في جزأين كبيرين، حيث جاء الجزء الأول في 584 صفحة، والجزء الثاني في 487 صفحة، بالإضافة إلى الرجوع لـ(165) مرجعاً ومصدراً، ويحتوي المجلد الأول الذي يشرح كتاب (أصول الكافي) للشيخ الكليني (ت 329هـ) على مقدمة مع شرح أربعة وثلاثين حديثاً لكتاب العقل والجهل من أصول الكافي وخاتمة، وقد (ناقش المؤلف آراء بعض العلماء الذين شرحوا أحاديث (الكافي) بعد تسطير ما يريد التعرض من مقاطع شروحهم، فيوضح مراد كلامهم ويشير إلى الخلل ويسدّه بما يرى أنه الموافق للقرآن الكريم وأحاديث وروايات أهل البيت عليهم السلام) حيث تبيّن من ذلك أن هذا العمل أخذ الوقت الكثير من المحقق لإنجاز ما بدأه، ولا يسعني في هذه العجالة إلا الشكر لكل من ساهم في إنجاز هذا العمل ليكون بين أيدي المهتمين للاستفادة من محتواه وما سطّره عَــلَمٌ من أعلام الأمة، وإلا فالحديث عن القيمة العلمية للكتاب لا يسعها هذا التعريف الموجز، ولكن كما يُقال: لا يسقط المعسور بالميسور.

نسأل الله عز وجل أن يشد على أيدي المهتمّين بالتراث المخطوط في استخراج ما تعجّ به خزائن الكتب المخطوطة والعمل على تحقيقه وطباعته، خدمة للعلم وأهله.



السبت، 17 يوليو 2021

كتاب (أسرة آل أبي مجلّي الخطي الفرعي العلمية) للشيخ محمد الحرز .. عرض وتعريف

 


أسرة آل أبي مجلّي، للشيخ/ محمد بن علي الحرز .. عرضٌ وتعريف

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

عرض وتعريف:

صدر قبل عدة أشهر كتاب بعنوان (أسرة آل أبي مجلّي الخطي الفرعي العلميّة في وادي الفرع بالمدينة المنوّرة) لفضيلة الباحث الشيخ/ محمد بن علي الحرز، وذلك كنسخة الكترونية، والذي يستعرض فيه الباحث تعريفاً بأسرة علمية بزغ نورها في القرن الثاني عشر الهجري تقريباً.

بدأ المؤلف بمقدمةٍ وتعريفٍ عن وادي الفرع التابع إدارياً للمدينة المنوّرة حيث يبعد عن مركز المدينة قرابة 110 كم، ثم تعريفاً بوادي أبو ضباع المكان الذي استقرّت فيه أسرة آل أبي مجلّي، بعد خروجهم من منطقة القطيف لظروف غير معلومة، متخذين مبدئياً من مكة المكرّمة مقراً ثم تم النزوح بعدها إلى وادي الفرع وتحديداً (أبو ضباع)، ويُعد الشيخ/ حسن بن سالم آل أبي مجلّي (1120 1199هـ تقريباً) أول من هاجر واستقرّ في المكان المذكور، مع تردد على مكة المكرّمة في مواسم الحج والعمرة، والذي حظي بحفاوةٍ وتقديرٍ في مكة المكرّمة والمكان الذي استقرّ فيه، ثم جاء من بعده أبناؤه وذريّاتهم الذين حملوا مشعل العلم والوعظ والإرشاد وإدارة شؤون الناس، وذلك لما اتّسموا به من حبهم للتحصيل العلمي، والقضاء بين الناس في القضايا المرفوعة له وإدارة شؤونهم، ويشير المؤلف إلى أن أبناءه أكملوا تحصيلهم العلمي في البحرين، نظراً لقرب العهد في الخروج من منطقة القطيف وكذلك أوجه التشابه في المشارب الثقافية وهو ما يسمّى بالخط الأخباري؛ ليكون توجه بعض الأحفاد للدراسة في النجف الأشرف أو الاكتفاء بالدراسة على الطاقات العلمية الموجودة في وادي الفرع من العائلة كالأعمام، لما لهم من دورٍ في القيام بالتعليم والتدريس في نواحٍ شتّى.

تميّزت العائلة بدورهم في المساهمة في كتابة الوثائق وفض المنازعات لثقة الناس بهم، وكذلك مثابرتهم في التحصيل العلمي والذي بقي شيء من تراثهم، وضاع الشيء الكثير منه، والجميل الذي قام به المؤلّف أنه تتبع المعلومات بجهدٍ رائع، وذلك برجوعه إلى كتب التراجم، والرحلات وغيرها، والتي تم استقاء المعلومات التي تفيد بمكانة أعلام الأسرة العلمي والاجتماعي، وهذا مأخوذٌ من عدة شواهد، كوجود الوثائق والخزانة/المكتبة التي تم إيقافها على علماء المنطقة، واستمرار العطاء لديهم، إلى سنوات متأخرة، وقد جاء ذكر الأعلام مسلسلاً وفق التاريخ، مع التركيز على مُنجز كل شخص بما هو متاحٌ عنه من معلومات، وهم كالتالي:

1. الشيخ حسن بن سالم بن علي بن أحمد أبو مجلّي (ت 1199هـ).

2. الشيخ محمد بن الشيخ حسن أبو مجلّي (ت قبل 1231هـ).

3. الشيخ علي بن الشيخ حسن أبو مجلّي (ت قبل 1198هـ).

4. الشيخ حسين بن الشيخ حسن أبو مجلّي (ت 1239هـ).

5. الشيخ أحمد بن الشيخ حسن أبو مجلّي (ت بعد 1226هـ).

6. الشيخ سليمان بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن (ت 1265هـ).

7. الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن (ت 1269هـ).

8. الشيخ سلمان بن الشيخ حسين بن الشيخ حسن (ت 1273هـ).

9. الشيخ ناصر بن الشيخ حسين بن الشيخ حسن (ت 1269هـ).

10. الشيخ علي بن الشيخ ناصر بن الشيخ حسين بن الشيخ حسن (ت 1280هـ).

11. الشيخ علي بن الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن (ت 1308هـ).

12. الشيخ علي بن أحمد بن الشيخ علي ناصر بن الشيخ حسين بن الشيخ حسن (ت بعد 1343هـ).

13. الشيخ علي بن حميد بن أحمد بن الشيخ علي بن الشيخ ناصر بن الشيخ حسين بن الشيخ حسن (ت 1432هـ).

ثم تلاها صور من بعض الوثائق التي كان لهم ذكرٌ ودورٌ في تدوينها، كالمبايعات، والشراء، وغيرها من أمور الحياة التي تستلزم توثيق الأحداث مصحوبةً بالشهود.

والأعلام المذكورين أعلاه من أهل العلم والتقوى والصلاح، ونظراً لقلّة المصادر في هذا الباب وظروفٌ أخرى؛ لكان البحث أكبر حجماً، وأثرى معلومات، رغم أن عدد صفحاته بلغت 280 صفحة.

جاء هذا الكتاب ليوثق تاريخ أسرة علمية، لها الحضور العلمي والعطاء الاجتماعي في التاريخ الحجازي على مدى قرنين ونصف من الزمان، فرحم الله الماضين منهم، وأدام الله الباقين في خدمة الإسلام والمسلمين، ولا شك أن هذا التلخيص لا يغني عن الرجوع للكتاب المليء بالمعلومات المهمّة.


نُشر هذا التعريف بصحيفة بشائر الالكترونية

يوم السبت 7 ذو الحجة 1442هـ

http://www.bshaer.net/2021/07/17/bhcc/


الخميس، 1 يوليو 2021

الرحلة الحجازية (1081هـ) لـ/أوليا جلبي

 

الرحلة الحجازية لـ/أوليا جلبي (1081هـ)

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

 تُعد رحلة التركي/ أوليا جلبي عام (1081هـ) إلى الحجاز من الرحلات الجميلة، فهي تحكي عن فترة مهمة من التاريخ والأحداث وكيفية مسير الحجاج من تركيا والبلقاء وإيران، حيث كان جَلَبي من المولعين بالرحلات في أقطار هذا العالم الفسيح، فقد بدأ بتدوين ما يراه منذ أن كان عمره عشرين عاماً حينما كتب عن مدينة استانبول عام (1040هـ)، وسافر إلى مناطق عدة، منها: تركيا، والبوسنة، والنمسا، وهولندا، والسويد وغيرها من البقاع، وساهم ذلك في تحصيله العلمي الذي كان من خلاله أنه أجاد ثلاث لغات وهي (العربية والفارسية والتركية)، وكان في ذات الوقت ماهراً في فنون أخرى مثل: (الخط والنقش والموسيقى وكتابة الشعر).

 فحينما انطلقت رحلة الحج من تركيا وساروا حتى بلغوا (نهر الحور)، وتحدث عن هطول الأمطار الغزيرة التي تحوّلت إلى سيولٍ مع تساقط الثلج، حيث نفق في هذا الموقف ما يقارب 200 جملاً، ومات 80 بدوياً، ذلك أن المطر بلغ إلى منتصف أرجل الجِمال.

ولما وصلوا صحراء بلقاء هطلت أمطارٌ غزيرة وثلوج مرة أخرى، وفي عُرف أهل الشام أن صحراء بلقاء لا يمكن دخولها أثناء تساقط الأمطار، فمن دخلها فُقد، واستمر المطر حتى الصباح وما أصبحوا إلا وهم في وسط بحيرة كبيرة جراء نزول المطر المتواصل، حيث نفَقَت بعض الحيوانات ومات بعض الحُجّاج.

رغم ما تعرضوا له من شدائد ومواجهة قطّاع الطُرق إلا أنهم وصلوا المدينة المنورة بسلامٍ، فاستبشروا بذلك الوصول الميمون، فقد استقبلهم أهل المدينة بالترحاب والتهنئة واستقبلوهم بالزغاريد والأهازيج الدينية، وأطلقت المدفعية 80 طلقة إيذاناً بدخول الموكب المدينة المنوّرة.

من مميزات رحلة جلبي أنه يأتي على وصف كل ما يراه وصفاً دقيقاً، حيث وصف المدينة المنورة مع ذكر أسماء الأبواب المؤدّية لها، والمسافات بين معالمها وأبراجها ويتحدث عن التوسعات المتعاقبة للمسجد النبوي وما يحويه من سجّاد وزخارف ومآذن وعدد الأعمدة والقناديل وعدد الخدم والطواويش الذين بلغوا (1400 شخص)، ولا يخفى عليه أن يصف القبّة التي على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما تحويه من زخارف ونحوها حيث تشرّف بالدخول إلى المقصورة.

ثم يصف زيارته للبقيع وما يحويه من قبور الصحابة وأهل البيت الطاهرين، فقد وصف كل قبّة وما تحتها من المدفونين وصفاً دقيقاً، وكذا وصف بقية المعالم التي زارها كمسجد قباء ومسجد القبلتين ومقبرة شهداء أحد رضوان الله تعالى عليهم.

 بعد انقضاء الزيارة توجهوا إلى مكة المكرّمة لأداء مناسك العمرة والحج، وقد ذكر كل المعالم التي مر بها، مثل: آبار علي، سبيل ميمونة بنت الحارث، وادي فاطمة، منزل مقام العمرة ...الخ.

وصادف وجودهم في مكة تعيين الشريف بركات أميراً على مكة، وكيف احتفلت مكة ثلاثة أيام بتنصيبه، ولا يفوت المؤلف أن يصف الأسواق وما تحويه من سلع مختلفة تباع فيها، مثل: سوق العطّارين، وسوق الحسا = الأحساء، وسوق اللؤلؤ ...الخ.

 

وكما كان جلبي مولعاً بكتابة أدق التفاصيل في المدينة المنورة، فقد كتب وصفاً دقيقاً عن مكة المكرمة من حدودها ووصف الحرم المكي وأبوابه وأعمدته وأماكن وجودها والقباب والمنارات والحمّامات، وتحدث عن صنع الكسوة في مصر على أيدي مهرة من أمهر الصنّاع في فن التطريز وصفاً سهلاً لا تعقيد فيه، وقد تطرّق إلى مواقع بيوت بعض الصحابة وأوصافها والعمارات الخيرية بمكة وعيون المياه والأسبلة والمدارس وكتاتيب الصِبيان ودُور قراءة القرآن الكريم والحديث الشريف.

 رغم ما تتميز به رحلة أوليا جلبي من دقة في الوصف ودعم المشاهدات بالمعلومات التاريخية إلا أنه وقع في بعض الأخطاء كأن يقول أن غزوة أُحد كانت في قلعة فُديك بخيبر، وأن نزول آية تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كان عام 14هـ (أي: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم) وأن الإمام علياً أدار حرباً ضروساً مع معاوية حينما بلغ السادسة والثلاثين من عمره .. وغيرها مما لا تخفى على القارئ المطّلع على الأحداث التاريخية، وهي أخطاء يسيرة لا تؤثر على رحلةٍ فيها من التاريخ المهم عن معالم وأحداث مهمة في تلك الحقبة الزمنية.


نُشر هذا المقال:

صحيفة الجزيرة، عدد رقم (١٧٧٣٥)

الاثنين ١٨ ذوالقعدة ١٤٤٢ه‍ (٢٨/ ٦/ ٢٠٢١م)

https://www.al-jazirah.com/2021/20210628/wo2.htm

الأربعاء، 30 يونيو 2021

مع كتاب (تتمة الأعلام) لـ/محمد خير

 وقفة سريعة مع (تتمة الأعلام) لـ/ محمد خير رمضان يوسف.

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

 أصدر/ محمد خير كتابه (تتمة الأعلام) طبعته الأولى في 1416هـ، وأصدر الطبعة الثانية في جزئين عام 1422هـ، وألحقهما بمستدركٍ في جزءٍ واحدٍ في العام نفسه، وأصدر الطبعة الثالثة عام 1436هـ في عشرة مجلدات؛ لتكون الرابعة عام 1437هـ في عشرة مجلدات. ويبدو لي أن سبب إصدار الطبعة الرابعة بعد عام من الطبعة الثالثة، هو وجود خطأ فنيٍ وقعت فيه المطبعة وهو خلوّ الطبعة الثالثة من حرف (الغين) وبعض التراجم من حرف (الفاء)، فجاءت الرابعة في العام التالي كاملةً رغم وجود بعض الأخطاء الفنية منها: (ج5 بعد الصفحة 30 جاءت 8 ورقات مقلوبة)، ولا أعلم هل الطبعة التي لديّ فقط كذلك أم هي في عامة الطبعات!!.

في هذه الوقفة السريعة أحب الإشارة إلى بعض الأمور التي لي فيها رأيٌ يخالف ما ذهب إليه المؤلف في بعض التراجم، وليس الكتاب كاملاً، وهي على النحو التالي:

 

1. في الجزء الأول من الطبعة الثانية جاءت ترجمة السيدة/ آمنة بنت حيدر الصدر، المعروفة بـ(بنت الهدى) في سطور تعريفية قليلة مع الإشارة إلى مؤلفين من مؤلفاتها. وهذه الطريقة هي الطريقة المعتادة التي يقوم بها من يترجم للأعلام، إلا أن المؤلف يبدو لم تعجبه الترجمة، فأضاف لها بعض العبارات غير المنسجمة مع طريقة كتّاب السير والتراجم في الطبعة الثالثة والرابعة، حيث أضاف المقطع التالي الذي لم يكن موجوداً في الطبعة الثانية، وهو: (ومن انحرافها الفكري قولها ببنوة فاطمة فقط للرسول صلى الله عليه [وآله] وسلّم، وادّعت أن رقية وزينب وأم كلثوم رضي الله عنهن ربيباته من أم المؤمنين خديجة من زوجها السابق. وقد ردَّ عليها في مقال علمي رصين أستاذنا الشيخ خاشع حقي، بعنوان "مغالطات آمنة الصدر الملقّبة بالشهيدة بنت الهدى"، رداً لما ادّعته من ذلك في كتابها "المرأة مع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم في حياته وشريعته". ففنّد هذا الإفك، وبيّن تكذيب القرآن الكريم لها في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساءِ المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهن) [سورة الأحزاب: 59] وغير ذلك من الأدلة).

التعليق:

وصف المؤلف للمترجم لها بالانحراف الفكري، والإفك، لا يستقيم مع فن الترجمة، خصوصاً وأن المسألة التي علّق عليها مسألة تاريخية وفيها آراء مختلفة بحثها العلماء في السيرة النبوية، وهم بين من يرى بنوّة البنات ومن لا يرى ذلك. نعم، من حقّه أن يذكر من رد عليها ويشير إلى الدراسة وبعض النقاط المهمّة، لكن الاستطراد والحكم على صاحب الترجمة بعبارات لا تليق أياً كان المترجم له فهذا يُخرج المؤلف عن فن الترجمة.

وأمر آخر في ذات الترجمة وهو: يبدو أن عبارته (اعتقلت بعد اعتقال أخيها السيد الصدر) المذكورة في الطبعة الثانية لم تعجبه، فغيّرها في الطبعة الثالثة والرابعة لتكون (اعتقلت بعد اعتقال أخيها محمد باقر الصدر) وموقع الشاهد كلمة (السيد) التي أسقطها من الطبعتين الثالثة والرابعة.

 


2. 2/123: قال في ترجمة المرجع الشيخ/ بشير حسين بن صادق علي الباكستاني أنه توفي عام 1418هـ، وأنه اغتيل في شهر رمضان، وأن من مصادره كتاب (المنتخب من أعلام الفكر والأدب) للمرحوم/ كاظم الفتلاوي.

التعليق:

أ. الشيخ بشير لحظة كتابة هذه السطور 23/ 3/ 1443هـ حيٌ يُرزق.

ب. ترجم له الفتلاوي في (المنتخب) المطبوع عام 1419هـ وقال عنه: زرته مراراً، ولم يذكر أنه توفي، أي: إن كتاب الفتلاوي طُبع بعد عامٍ من اغتيال الشيخ بشير حسب زعم المؤلف.

ج. قد يكون المؤلف محمد خير أخذ تاريخ وفاته من مصدر آخر، لكنه لم يذكره!! والخلاصة أن الشيخ حيٌ يرزق كما أسلفتُ القول، ولا أعلم كيف جاز للمؤلف يكتب عن وفاته، والشيخ له أكثر من صورة ومقطع فيديو ظهرا في وسائل التواصل والإعلام بعد العام المذكور الذي ذهب المؤلف أنه اغتيل في 1418هـ!!

3. 3/ 71:
ترجم في هذا الجزء والصفحة لشخصية تُدعى/ حسين الموسوي (ت 1422هـ) والذي يراه عالماً مجتهداً مرجعاً، ثم تحوّل إلى أهل السنة والجماعة، وقُتل. ويقصد بذلك صاحب كتاب (لله .. ثم للتاريخ).

التعليق:

من المعروف أن هذه الشخصية مفتراةٌ وغير حقيقية، وقد صنّف الشيخ/ علي آل محسن القطيفي كتاباً يفنّد ما ورد فيه من مزاعم وأباطيل، وطُبع الكتاب عام 1425هـ، ومن يقرأ كتاب الشيخ المحسن يدرك ذلك جيداً، بل إن بعض السنّة المعاصرين ذهبوا ذات المذهب من حيث أسطورية هذه الشخصية وعدم وجود شخصية حقيقية ألّفت هذا الكتاب واسمها (حسين الموسوي).

4. 6/291: في ترجمة الدكتور غازي القصيبي، من الطبعة الرابعة، قال:

(واصطدم بأكثر من داعية وكاتب إسلامي، وقد أخطأ مرة ربما في حق الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلّم فذكر الشيخ ابن باز رحمه الله أنه إما أن يتوب أو أن يُقام عليه الحدُّ. وذُكر قبيل وفاته أنه كان يصلّي، فإذا لم يقدر على الوضوء تيمم).اهـ

التعليق:

قول المؤلف: أنه (ربما) أخطا بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. السؤال: ما علاقة هذه العبارة بالترجمة؟ خصوصاً وأن المعلومة غير مؤكدة، وخاضعة تحت معيار (ربما)، فلا أرى أن هذا يخدم الترجمة خصوصاً وأن المعلومة غير أكيدة، ولو كانت أكيدة فعلى المؤلف أن يوردها وإلا فلا داعي لذكرها.

ثم قوله (ذُكر أنه كان يصلّي قبيل وفاته)!! وهذا يبدو لي اتّهام مبطّن بأن المترجم له كان لا يصلّي، والأمر نفسه في العبارة السابقة خاضعٌ للنقل غير المؤكّد تحت معيار (ذُكر)، وكأي قارئٍ للترجمة ماذا يفيدني أنه (رُبما) وَ (ذُكر)؟! فهذا مما لا يليق بمؤلفٍ له عشرات الكتب بل تجاوزت المائة كتاب أن يكتب معلوماته وهو غير متأكدٍ منها.

 5. 5/149: في ترجمة عبدالعزيز الجواهري ذكر أن الجواهري جمع ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي، وهذا صحيح، لكن المؤلف وقع في خطأ مطبعي وهو قوله: (محمد سعيد جوبي) بينما الصواب (محمد سعيد الحبوبي) وبعض الأخطاء تغيّر المعنى.

 6. 7/223: ترجمة السيد/ محمد باقر الصدر، ذكره في الطبعة الثانية بترجمة موجزة جداً، وأضاف معلومات في الطبعة الثالثة والرابعة، إلا أنه تخطّى حدود الترجمة إلى محاكمة الآراء، فبعد أن ذكر شيئاً من ترجمته وشيئاً من آرائه، قال: "... وزعم أن الإمام علياً رضي الله عنه كان يعلم الغيب «علما ما كان وما سيكون»! اللهم إنا نبرأ إليك من هذا! والله تعالى يقول لأكرم خلقه محمد صلى الله عليه وسلّم: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ماشاء الله ولو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرتُ من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلا نذير وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون) [سورة الأعراف: 188] ولو كان الإمام علي رضي الله عنه يعلم الغيب فلماذا لم يدفع عن نفسه السوء ...؟؟"اهـ.

التعليق:

مسألة علم الغيب، يجب أن تُفهم وفق سياقها الصحيح قبل كل شيء، وإلا لا يوجد أحدٌ من علماء الإمامية من يقول أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام يعلم الغيب استقلالاً؛ بل يكون ذلك عن إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلّم له، أو إلهاماً من الله عز وجل، ولا أطيل في التعقيب؛ لأن ما تفضل به المؤلف خارجٌ عن نطاق الترجمة، وتشويه للشخصية المترجم لها، وهذا مع الأسف وقع فيه المؤلف في أكثر من شخصية، ولا داعي لذكر تلك الشخصيات التي حاكم آراءها في كتابه وتجاوز حدود الترجمة والتعريف، إنما عنيتُ في هذه التعليقات كجزء من إطلالتي السريعة على الكتاب، نعم .. لو ذكر الرأي وتركه خيرٌ من محاكمته وهو يجهل بعض المسائل والتي منها مسألة (علم الغيب للأئمة عليهم السلام في مذهب الإمامية).

 

7. 8/ 207: الشيخ/ محمد علي العُمري. قال عنه: (مرجع شيعي).

التعليق:

هو العَمري (بفتح العين) وليس العُمري.

ثم  لم يكن الشيخ العمري رحمه الله من المراجع!! بل كان وكيلاً شرعياً لجملة من العلماء كما ذكر المؤلف في ثنايا الترجمة، ووجهاً بارزاً للشيعة في الحجاز، فالمرجعية شيء، والمكانة الدينية شيء آخر.

 


ختاماً:

هذه التعليقات السريعة، لا تلغي أهمية العمل، وجهد المؤلف فيه، وتتبعه المصادر المختلفة؛ بل الأمنية أن يتجاوز مسألة الحكم على الآراء والتي مارسها في بعض الشخصيات المشهورة في الميدان الديني أو السياسي أو الأدبي، ففي الأثناء يقرأ القارئ ترجمة أحد الشخصيات، وإذا به يفاجأ بأن المؤلف تحوّل إلى محلل سياسي أو واعظٍ أو شيئاً مختلفاً عن الهدف الذي صُنّف الكتاب لأجله.

الأحد، 20 يونيو 2021

الأحساء في رحلة وليام بلجريف (1279 - 1280هـ)

 


الأحساء في رحلة وليام بلجريف (1279 - 1280هـ)

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

لاشك أن الرحلات التي قام بها المستكشفون للجزيرة العربية كثيرة، وهي مهمّة رغم قلّة المعلومات في بعضها، أو وجود بعض المغالطات والأخطاء التي تكتنفها تلك الرحلات، وقد استُخلصت واستُلّت بعض المعلومات من تلك الرحلات فيما يخص بعض مناطق ومدُن شبه الجزيرة العربية، ومن بين تلك الرحلات رحلة البريطاني وليام بلجريف إلى الأحساء في (1279 – 1280هـ)، والتي تناولها الدكتور/ دايل بن علي الخالدي بالعرض والدراسة كبحثٍ مستقلٍ، نُشر في حوليات المؤرخ المصري بجامعة القاهرة عام 1436هـ.

 

فقد  عرّف د. دايل بالرحالة بلجريف المولود عام 1826م ذي الأصول اليهودية والمعتنق للمسيحية بعدها، وأهداف رحلته التي يحدد رغبته – بلجريف – بأن الهدف هو الرغبة في الاستكشاف والملاحظة، مع دراسة سكّان الجزيرة العربية كعِرقٍ، مع دراسة أحوالهم الفكرية والسياسية والاجتماعية. وقد أعدّ بلجريف عدّته للرحلة من تغيير اسمه من (بلجريف) إلى (سليمان) بالإضافة إلى معرفته بمبادئ مهنة الطب والتي حمل معه صناديق مليئة بالعقاقير وبعدد من المراجع الطبّية لمساعدته في إنجاز مهامه. وقد كان مسار رحلته من الأردن مروراً بالجوف – والتي استلّ د. صالح السنيدي ببحث مستقل منشور "بلجريف في الجوف" – وحائل والقصيم ثم الرياض والأحساء وبعدها إلى القطيف.

وقد صحب معه شخصاً أُردنياً ادّعى أنه مساعده وزوج أخته، وكذلك بقائد القافلة الذي عرّفه بأنه (أبو عيسى) ولم يذكر اسمه، وقد استضافه في الأحساء خلال إقامته فيها، وتجوّل معه في بعض معالمها كعين أم سبعة، وعين نجم وسوقَي الهفوف والمبرز وغيرها. والجميل في هذه الرحلة أن بلجريف يشير إلى محطات الطريق وذكر الأماكن بوصفٍ دقيق كقيام أبي عيسى بوضع أحجارٍ ضخمة، ووضعها في منتصف الطريق بصحراء الدهناء على شكل أهراماتٍ صغيرة يصل ارتفاعها 30 قدماً كعلامة للقوافل حتى عُرفت بـ(رجم أبي عيسى)، مما جعل الرحالة الذين أتوا بعده يثقون بوصفه الذي كتبه في رحلته.

وصف بلجريف الأحساء من الناحية السياسية والأمنية وأن من يسير بين الأحساء والقطيف بأنه آمنٌ تماماً، لقيام حكّام الدولة السعودية الثانية بتأمين الطُرق عبر القضاء على قطّاع الطُرق والنهّابين وأنه ليس لهم وجودٌ، وقد قدّم وصفاً للهفوف وأنها ذات شكل بيضاوي، ووَصَف حي الكوت بأنه عبارة عن قلعة ضخمة يحيط بها خندق عميق وأسوار وأبراج تتميز بالارتفاع والسماكة، ووصف بقية الأحياء كحي النعاثل وحيّ الرفعة الذي قال عن شوارعه بأنها واسعة ونظيفة جداً لدرجة أنه فضّلها على نظيرتها في دمشق، حيث وصفها (وشوارع دمشق أو بريدة لا تصل إلى ربع هذا الاتّساع أو النظافة)، فهو حيٌ صحّي لتميزه بالأناقة وجمال بعض مساكنه.

 وقد زار بلجريف المبرّز وتجوّل في سوقها وشوارعها، ووصف بقية مرافقها، ثم تحدث عن قريبة الكلابية، ووصف أسواق الأحساء وحالتها الاقتصادية والتجارية، وكذا عيون الأحساء التي قال عنها (أبو عيسى) بأنها تصل إلى قرابة 300 عين من كثرتها، وسلّط الضوء على النشاط الزراعي مُبدياً إعجابه بأنواع التمور والرطب لكثرتها وخصّ رطب الخلاص بإعجاب كبير، حتى قال عنه بأنه (أفضل رطب الدنيا كلّها). ولا بد من رحّال كـ(بلجريف) أن يقتحم الحياة الاجتماعية ويوثّق ما يشد الانتباه، وهذا ما ميّز رحلته عن بقية الرحّالة، حيث يقول د. صالح السنيدي: (تميّز عن غيره من الرحالة والمستكشفين بالغوص في أعمال تلك المجتمعات التي زارها فاهتمّ بالجوانب الديموغرافية والأنثروبولوجية، بالإضافة إلى اهتمامه بالجوانب الطبوغرافية والتاريخية والسياسية). واستكمالاً لذلك، فإن بلجريف دوّن مرئياته حول ثقافة أهل الأحساء (المتيّمون بالأدب والشعر سواءً أكان عمودياً أم نبطياً) كما يقول. أما الناحية الدينية فكثير من الباحثين يجمعون أنه نقل الصورة الخطأ عن فهمه للإسلام، وقد أوضح مواقع ذلك الدكتور/ دايل، مفنّداً ما ذهب إليه بلجريف من أن أهل الأحساء والقطيف لم يعرفوا الإسلام إلا بعد أن دخلوا تحت الحكم السعودي!!، لأنه – بلجريف – دوّن رحلته ليقرأها أهل بلده والدول الأوروبية عموماً، وليس تدوينه ليقرأها أهل الأحساء، وهذا يكشف شيئاً من تعصّبه الديني وجهله عن الإسلام في الوقت ذاته.

وقد بذل الدكتور/ دايل، جهداً في تفصيل بعض المطالب وشرحها في هوامش وضعها لذلك، مدعماً ذلك بالمصادر، وبعض الصور ذات الصلة بهذه الرحلة.


نُشر المقال في:

صحيفة الجزيرة  - عدد رقم (١١٧٢٩)

الاثنين ١١ ذو القعدة ١٤٤٢ه‍ (٢١/ ٦/ ٢٠٢١م)

https://www.al-jazirah.com/2021/20210621/wo2.htm

الاثنين، 7 يونيو 2021

فهرسة الكتب

 



بقلم: عبدالله بن علي الرستم

 تُعد فهرسة المكتبات من الأشياء المهمة، ذلك أنها تساهم في التعرّف على حجم المكتبة ومحتوياتها، وكذلك تساعد في التعرّف على أشياء كثيرة، كطبعات الكُتب، وتواريخها، ومعرفة أسماء دور النشر التي كانت حاضرة في الساحة الثقافية ثم اضمحلّ دورها، ونحو ذلك من المسائل المهمة في هذا الشأن.

 يقول الدكتور/ أحمد بنبين: إن أقدم ما وصلنا من فهارس القدماء "شذرات من الفهرس الببليوغرافي الذي وضعه الشاعر اليوناني كاليماخوس" في القرن الثالث قبل الميلاد لأهم خزانة في العصر القديم وهي مكتبة الاسكندرية. وهذا ينم عن أن الفهرسة مهمة منذ زمن متقدم، وقد حظيت كثير من المكتبات العامة على عناية كبيرة من حيث الفهرسة العلمية والفنّية؛ لأنها تساعد الزائر على معرفة ما تحتويه المكتبة من كتب، على خلافه في افتقاد المكتبة فهرسة فنية، حيث يصف السيد/ أحمد الحسيني المكتبات الخاصة أو الصغيرة "والتي ليس لها فهرس مدوّن فني وليس لأكثرها تنظيم ولم تحض بعناية مالكيها أو القائمين بشؤونها، بل أكثرها لم يعلم أحد بما فيها من التراث، بل وجدتُ بعض المالكين لا علم لهم بما في حوزتهم من الكتب والنفائس؛ لأنها وصلت إليهم بالإرث من آبائهم وأجدادهم أو اشتروها بغير وعي تبجحاً بأنهم يملكون مخطوطات ...الخ" والمكتبة بدون فهرس يصعب التعرّف على ما فيها من كتب.

 وبحسب متابعة قاصرة، أن بعض الأعلام حينما ينتقل إلى بارئه مخلفاً وراءه مكتبة كبيرة أو صغيرة، فإن مآل تلك المكتبة إلى البيع العشوائي، أو شراءها من قبل جهة حكومية، أو نحو ذلك، ما هو ملحوظ في هذه المكتبة بعد البيع لا أحد يعلم على ماذا تحتوي المكتبة!! وأعداد الكتب التي فيها، ونوعيتها وطبعاتها وتارة مخطوطاتها وغير ذلك مما له صلة بهذا الأمر، في حين أن الأمر الذي أراه في غاية الأهمية أن تلك المكتبة أياً كان مصيرها، أن يُعمل لها فهرسة خاصّة قبل البيع؛ لكي تساعد من يريد التعرّف على مافيها من نفائس، أو معرفة مصادر المعرفة عند صاحبها، وذلك من خلال نوعية وطبيعة الكتب المقتناة لهذا العَــلَم.

 نعم، حظيت بعض المكتبات بفهرسة فنية، لكن الفهرسة اقتصرت على الكتب المخطوطة ولم تتم العناية بالكتب المطبوعة، وأهمية فهرسة الكتب المطبوعة، ذلك أن بعض الكتب المطبوعة بقيت في عالم النُدرة، وحريٌ بها أن تنال العناية بفهرستها، من جهة أخرى أن بعض أصحاب المكتبات له عناية بأمور أخرى، وهي: تحديد تاريخ ومكان الشراء، أو تحديد طريقة حصوله على الكتاب بالإهداء أو بالإرث، ولعل كثيراً منهم كتب سعر الكتاب، وبعضهم يعتني بكتابة بعض الحواشي أو الفوائد بداخل الكتاب، هذه الأمور مما تسهم في معرفة الشخص وكيفية عنايته بمكتبته، وهذه العملية التي ذكرتها تساعد الباحث الذي سيقرأ حياة صاحب المكتبة من خلال مكتبته وتصنيفها وفهرستها وغير ذلك من الأمور ذات الصلة في هذا الأمر.

وأحمل أسفاً شديداً على كثير من المكتبات التي بيعت قبل أن تنال فهرسة أو على دراسة لها أو دراسة مالكها من خلال مكتبته عن طريق التعرف على محتوياتها والمسائل التي ذكرتها أعلاه.



نُشر هذا المقال في: صحيفة الجزيرة - العدد 17717 - الاثنين 26 شوّال 1442هـ:
https://www.al-jazirah.com/2021/20210607/wo2.htm

  مع كتاب (أوهام من مرويات السيرة النبوية) ? عبدالله بن علي الرستم بيانات الكتاب: أوهام من مرويات السيرة النبوية (روايات حديث غدير خُ...