مع كتاب (أوهام
من مرويات السيرة النبوية)
? عبدالله بن علي الرستم
بيانات الكتاب:
أوهام من مرويات السيرة النبوية (روايات حديث غدير خُم
أنموذجاً)
الدكتور/ خالد كبير عَلَال
مؤسسة نارين – أربيل (العراق)
الطبعة الأولى – 2026م
عدد الصفحات: 173 صفحة
تمهيد:
صدر هذا الكتاب المشار إلى
بياناته أعلاه، والذي سأحاول قراءته قراءة نقدية ورصد بعض الكلمات التي لا تمت إلى
المنهج العلمي أو الأكاديمي بصلة – باعتبار
المؤلف من حملة الدكتوراه –، فمن المعروف أن المنهج
العلمي والأكاديمي النأي بنفسه عن استخدام الكلمات غير العلمية، وأن ينظر إلى
الحدث التاريخي أو القضية المراد نقدها بما هو حدث، ويُقدّم نقده ورؤاه بدون تجاوزٍ
لحدود اللياقة الأدبية، لكن المؤلف يبدو أن لديه إسقاطات وأحكام سابقة جعلته
يستخدم بعض ما سأشير إليه.
كما أني في هذه الأسطر لم أتتبع كل شاردة وواردة؛ لأنه وبكل صراحة لا يستحق أن يأخذ مساحة أكبر من حجمه، فليست القضية أن نتيجته تخالف عقيدتي وما أؤمن به من أفكار مبنية على مصادر عدة؛ بل لأن الطريقة المتبعة في التعاطي مع الموضوع سطحية ولا تعكس المستوى العلمي والأكاديمي للمؤلف، فهو يوظف أدواته المذهبية من جهة والطرح غير العلمي من جهة أخرى، لذا ما هذه التعليقات سوى توضيحات أو ردود سريعة.
بعض العبارات التي يؤاخذ عليها
المؤلف:
ص5 + 6 + 7: قوله عن الشيعة: (أو كما يعرضها
الشيعة في مصنّفاتهم بطريقتهم في اختلاق الأخبار وتأويلاتهم الزائفة).
التعليق: قد أَلِفْتُ هذا الأسلوب من الطائفيين؛ الذين يقدِّمون المذهب والانتماء على المعايير العلمية، فيستخدمون العبارات المنفّرة، ويبتعدون عن المناقشة العلمية التي غالباً ما تكون مناقشة غير مركّزة وعشوائية، ولعل المشحونون طائفياً لا يجيدون إلا لغة التعريض والتهميش والألفاظ التي يظنون أنها علمية وما هي بذلك؛ بل هي تعكس ما استَقَوه من شحنٍ طائفي أكثر من قراءاتهم المبنية على مصادر.
ص7: قوله في مدح نفسه وتضخيمها: (وإنّي أرى أن
كتابي هذا من أوسع الكتب التي تناولت حديث الغدير ومن أكثرها صرامةً وتشدداً
وتدقيقاً في نقد رواياتها، فلم أكن فيه متساهلاً، ولا متوسطاً في نقدها، وإنما
كنتُ متشدداً في تمحيصها وإخضاعها لمنهج نقد الخبر إسناداً ومتناً دون أيّ تساهلٍ
غالباً).
التعليق: قد ذكر حديث
الغدير (الولاية) من هو أشدُّ منه ضبطاً وتتبعاً وصححه، ولعل هذه السطور تعجز عن
ذكرهم لكثرتهم، لكنه انتقى ما يريد وادّعى لنفسه ما لا يليق بباحثٍ أو صاحب شهادة
علمية، ومنهم:
محب الدين أحمد بن عبدالله الطبري في كتابه
(ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى) ص67 فصل (ذكر أنه من كان النبي ﷺ مولاه فعليٌّ
مولاه)، حيث ذكر الرواية التالية:
عن البراء بن عازب ~، قال: كنّا
عند النبي ﷺ في سفرٍ لنا فنزلنا بغدير خُم، فنودي فينا الصلاة جامعة وكُسح لرسول
الله ﷺ تحت شجرة فصلّى الظهر وأخذ بيد عليٍّ وقال: (اللهم
من كنتُ مولاهُ فعليٌ مولاه، اللهم والِ من والا ه وعادِ من عاداه، فقال: فلقيه
عمر بعد ذلك، فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة)
أخرجه أحمد في مسنده، وأخرجه في المناقب
من حديث عمر وزاد بعد قوله: وعادِ من عاداه وانصر من نصره وأحب من أحبّه. قال شعبة
أو قال: وأبغض من بغَضَه. اهـ.
فهل يكون المؤلف أعلمُ من الطبري ومن نقل عنهم كأحمد بن حنبل وأضرابه من علماء السنّة؟!!
ص8: اتهام الآخرين بالجهل.
قال: (وأما إن
وُجدَ من أهل العلم من يرفض تحقيق روايات حادثة الغدير وغيرها من أخبار السيرة
النبوية الواهية، فلا شك أن من يرفض ذلك، فهو جاهل، أو من أهل الأهواء والضلال
الذين لا يريدون أن تُحقق تلك الروايات؛ لأن عقائدهم ومذاهبهم قائمة عليها،
وأسلافهم هم الذين اختلقوها وبنوا عليها مذاهبهم من جهة، وتحقيقها يُهدمها عليهم
ويكشفهم ويهدد مصالحهم من جهة أخرى).اهـ.
التعليق: عجبٌ والله، أن يتهم أعلام الأمّة ومحدثيهم والحكم عليهم بهذا الحكم الذي لا يمتُّ إلى العلم بصلة مع افتقاد حديثه إلى القرائن والأدلّة، حيث إن أعلام الأمة ومحدثيها من السنّة الذين رووا وحفظوا التراث ليسوا معصومين، إنما هم مجتهدون سواءً اتفقنا مع ما رووه وصنّفوا فيه أو اختلفنا، والتحقيق في قضايا التاريخ والحديث له شروطه وضوابطه، والمؤلّف الدكتور لم يراعِ فيه اللغة العلمية فضلاً عن الضوابط المهنية في علم التحقيق ومنهجية النقد، وأرى أن بينه والتحقيق بونٌ شاسعٌ.
ص9 + 135 + 162: المصطلحات غير
العلمية: استخدم المؤلف مصطلحات يظنُّ أن استخدامه لها علميّة، وقد تكررت
في عدة صفحات، مثل قوله: (وقد اهتم الشيعة بها اهتماماً –يقصد رواية
الغدير- كبيراً، قديماً وحديثاً، وهي عندهم أعظم دليل على صحة قولهم بخرافة الإمامة والأئمة. فهي ركنهم الركين، وأساسهم
المؤسس للتشيع الإمامي المختلق ...الخ). وفي ص135،
قال: (وقد أوجدوا له شرعية ومكاناً بين المسلمين باختلاق الروايات التي تطعن في
القرآن، وبالأحاديث التي تؤيد مذهبهم)، يبدو هنا أقحم قضية الطعن بالقرآن
والروايات التي تدعم المذهب، ويشعرني بأنه مأزوم من التشيع وليس حديث الغدير، وإلا
فأين علاقة هذا بحديث الغدير، إلا أنه يفتقد إلى المعرفة بضوابط البحث العلمي التي
تدعو إلى عدم تشتيت البحث، والابتعاد عن كثرة الاستطرادات التي ليس لها شأنٌ وصلةٌ
بأساس الموضوع.
وكذا ما قاله في ص162 عن رواية الغدير: (...
ولا يمكن أن تصحّ، لأنها تقوم على مذهب مختلَق مناقض لدين الإسلام مناقضةً
تامّة...).
ص156: قوله: (وفي الشرع
الحبُ في الله والبغض في الله، لكن روايات الغدير جعلت الشرع يقوم على الحب في
عليٍّ والبغض في عليٍّ. كما أنها قررت في النهاية أمراً خطيراً مفاده أن النبوّة
أصبحت شركةً بين آل البيت عامة وآل عليٍّ خاصة. فحسب زعمها فعندما كان الرسول حياً
كانت النبوّة شركة بين آل البيت، فلما مات أصبحت شركة خاصة بعليٍّ وبعض
أولاده!!!!. وخلاصة ذلك هو أن روايات الغدير جعلت علياً نبياً باسم الإمامة. وبما
أنها نصّت على ذلك فلا شك أنها روايات باطلة قطعاً؛ لأنها خالفت أمراً معروفاً من
الشرع بالضرورة).
التعليق: كون وجود روايات صدرت عن النبي الأعظم ^ تشير إلى أن علياً معيار للحب والبغض، فهذا أمرٌ مُسلَّمٌ به، قرآنياً وروائياً، قال تعالى: )قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلِيْهِ أَجْرَاً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى( وَ الحديث الوارد عنه ^: (يا علي لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)، وغيرها من الأدلة التي تفوق حدَّ الإحصاء، ولا ينفع معها التهميش والإقصاء، وليت شعري هل يعلم المؤلف بتلك الروايات التي جعلت أمير المؤمنين # معياراً للحق حتى يُطلق أحكامه آنفة الذكر!!.
ص136: قوله عن مصدر حديث الغدير
(من كنتُ مولاهُ فعلي مولاه) أبا إسحاق السبيعي الشيعي.
اعتمد في نقل هذا الكلام من كتاب (التاريخ
الكبير للبخاري في ترجمة رقم 2277: أبا حصين عثمان بن عاصم، حيث نقل البخاري قول
عثمان بن عاصم: ما سمعنا هذا الحديث حتى جاء هذا من خراسان فنعق به - يعنى أبا إسحاق
- يعنى من كنت مولاه فعلى مولاه - فاتبعه على ذلك ناس).
التعليق: هذا حكمٌ ونقلٌ يحتاج إلى نظر، حيث إن الحديث رواه عشرات بل مئات الصحابة الذين حجّوا مع النبي ^، وقد ذكره كبار المحدّثين بطرقهم المختلفة والتي لم يُغمز في أسانيدها ومتونها، وإن غُمِزَ في واحدٍ فيعارضه ويؤيّد صحة الحديث عشرات الروايات.
ص157: نقل عن البخاري في (التاريخ
الكبير) كلاماً عن عثمان بن عاصم أبا حصين (ت 127هـ): (وكان أبو حصين
عثمان قد ذكر أن أبا إسحاق السبيعي الكوفي هو الذي أدخل حديث الغدير الكوفة (من
كنتُ مولاه فعليٌ مولاه) فقال: (ما سمعنا هذا الحديث حتى جاء هذا امن خراسان فنعق
به ... فاتبعه على ذلك ناسٌ).
التعليق:
·
قد ذكرتُ وذكرت المصادر أن
حديث الغدير رواه غير الكوفيين، وغير أبي إسحاق السبيعي.
·
اعتماد المؤلف على انتقاء
الأقوال، لا يخدم البحث العلمي، فلو صح هذا الخبر فإن أخباراً تناقضه وتثبت عكس ما
ذهب إليه المؤلف من نقل البخاري.
·
ذكر ابن حجر عثمان بن عاصم
في كتابه (طبقات المدلّسين) وقال: (عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي أبو حسين.
قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبتٌ سني وربما دَلَّس). اهـ.
·
قد عمَّمَ المؤلف بأن
الكوفيين كذابين، في حين أخذ بقول أبا حصين الذي أخذ عنه البخاري، وهذا يدلل أن كل
منطقة عموماً فيها الثقات وفيها المدلّسين وفيها ....الخ.
·
بحسب ما ذكره ابن عساكر في
تاريخ دمشق في ترجمة عثمان بن عاصم أنه كان عثمانياً، واختلف مع آخر مما جعله يرحل
عنه، وهذا قول ابن عساكر: (يقال: إن عثمان بن عاصم
من ولد عبيد بن الأبرص الشاعر لم يكن له ولد ذكر، وكان من قراء أهل الكوفة، كان
يقرأ عليه في مسجد الكوفة خمسين سنة.
وحصين: بفتح الحاء وكسر
الصاد، أبو حصين عثمان بن عاصم، وكان شيخاً عالماً صاحب سنة، وكان عثمانياً، رجلاً
صالحاً، ثقة، ثبتاً في الحديث، وكان أعلى سناً من الأعمش، ووقع بينه وبين الأعمش
شر، حتى تحول الأعمش عنه إلى بني حرام)، ونقل القصة الذهبي في كتابه (سير أعلام
النبلاء) ترجمة عثمان بن عاصم.
التعليق على هذا
الخبر:
إذا كان الهوى عثمانياً، وجُل الكوفة شيعة
لأمير المؤمنين # فلا غرابة أن يحصل هذا التناقض، بالإضافة
إلى أن عثمان العابد العالم إذا حصل شرٌ بينه والأعمش وتحوّل وهاجر عنه، فلا غرابة
أيضاً أن يرمي أبا إسحاق بهذا الحكم، وقد يكون أبا حصين ممن لم يقبل رواية الغدير
فرمى أبا إسحاق بهذا الحكم، والنهاية لا يمكن أخذ قولٍ واحدٍ ويقابله عشرات
الروايات التي قالت وروت حادثة الغدير أو حديث الولاية.
ص139+ 154: حديث الغدير مضامينه
تخالف القرآن الكريم!!
يشير في هذه النقطة أن حديث الغدير مخالفٌ
للقرآن الكريم؛ لأنه قرن طاعة آل البيت & بطاعة رسول
الله ^، وأدرج
الشواهد القرآنية التي تأمر بطاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله ^؛ إلا أنه لم
يُدرج الآية الكريمة: )يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم( في حين
أنه أخذ الجزء الآخر من الآية )فإن تنازعتم في شيء فردوه
إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر( [سورة
النساء: 59].
وكان الأحرى به أن لا يسرد الآيات سرداً دون
إعمال البحث والمقارنة بين أقوال المفسّرين، فمفسّري السنّة اختلفوا في ذلك، فمنهم
من قال: (الأمراء) وآخرون قالوا: (العلماء والفقهاء) وآخرون قالوا غير ذلك. بينما
روايات أهل البيت & تنص على أن رسول الله ^ سُئل عن (أولي
الأمر) وأشار إلى أنهم أهل بيته أمير
المؤمنين وأبنائهم &، وقد بيّن ذلك الشيخ الطوسي في التبيان
لتفسير هذه الآية الكريمة، وشرحها شرحاً لطيفاً، ناهيك عن الروايات المتظافرة على
أنهم أهل البيت &، وله أن لا يقبل بذلك، فالحق لا يُقاس
بالرجال.
في حين أن الفخر الرازي في تفسيره
الآية الكريمة أكّد على أمر مهم جداً، وهو قوله: (والدليل على أن الله
تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على
سبيل الجزم والقطع لابدَّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن
الخطأ، كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً
بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهيٌ عنه، فهذا يُفضي إلى اجتماع الأمر والنهيِ
في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وإنه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي
الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كلَّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزمِ، وجب أن
يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدَّ وأن
يكون معصوماً، ثم نقول: ذلك المعصوم إما مجموع الأمّة أو بعض الأمّة، لا جائز أن
يكون بعض الأمّة؛ لأنّا بيّنا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية
قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروطٌ بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول إليهم،
والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام
المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، عاجزن عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان
الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضاً من أبعاض
الأمّة، ولا طائفة من طوائفهم. ولما بَطَلَ هذا، وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو
المراد بقوله (وأُولي الأمر) أهل الحِلِّ والعَقْدِ من الأمّة، وذلك يوجب القطع
بأن إجماع الأُمّة حجَة). اهـ.
يتبين من كلام الرازي أن المقدمة في غاية المتانة، لكن تطبيقها يخالف المقدمة، ولعلَّ ذلك خوفاً من مطابقة ذلك على ما يؤمن به الشيعة، وإلا فإن الروايات أمرت باتّباع أهل البيت ومنها الرواية الواردة عن رسول الله ^ (إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض) وعدم الافتراق تدلُّ على الطاعة لهذه الفئة من الناس، والأخذ من معينهم عبر معايير وضوابط ذكرها أهل البيت & ومنها العرض على كتاب الله عز وجل. وعليه .. تكون المحصّلة أن حديث الغدير لا يخالف القرآن الكريم في إقران طاعة أهل البيت & بطاعة الله عز وجل ورسوله الكريم ^.
ص157: نقل المؤلف آراء من ضعفوا
ورفضوا حديث الغدير، بقوله: (وُجد من أهل السنّة علماء أنكروا حديث الغدير
كلّه وبكل طرُقه، فضعفوه ورفضوه، منهم: أبو حصين عثمان بن عاصم الكوفي، والبخاري،
وإبراهيم الحربي، وابن حزم، وابن تيمية).اهـ.
التعليق: إن كان ضعّف ورفض حديث الغدير بعض علماء السنّة، فهناك بالمقابل علماء من السنة وكبار المحدثين آمنوا ورووا ونقلوا حديث الغدير، وهذا ينطبق على كثير من الروايات التي يرفضها بعض المحدثين ويقبلها محدثون آخرون، فلا غرابة، ولو بحثنا في أسباب الرفض لركعت أمام من قال بصحة الحديث.
ص159: الذين جاؤوا
بحديث الغدير شيعة الكوفة!!
التعليق: قد بينتُ هذه النقطة في ثنايا هذه القراءة، فلا أكرر ما بُيِّن.
المجموعة الأولى: ص9 أشار إلى أن سبب رفضه لرواية
الغدير أن رواتها شيعة، ومثال ذلك:
علي بن جدعان التيمي البصري (ت 131هـ) شيعي.
عدي بن ثابت (شيعي) (أورد البخاري 29 رواية وقع في أسانيدها عدي
بن ثابت).
ص14/ فطر بن خليفة المخزومي الكوفي (شيعي)
أبو الطفيل عامر بن واثلة (شيعي)
ص15/ قال في الطريق الرابع لحديث الغدير:
(أورده البخاري في تاريخه، مفادها: (قال لي عبيد: حدثنا يونس، سمع إسماعيل – بن نشيط
العامري - عن جميل بن عامر أن سالماً حدثه سمعَ من سمِعَ النبي ﷺ يوم غدير
خم: من كنتُ مولاه فعلي مولاه).
وقال: إسناده لا يصح: قال فيه البخاري (في
إسناده نظر)، ... وجميل بن عامر (مجهول)
أقول: بالرجوع إلى
بعض كتب التراجم فالقول كالتالي:
·
قول البخاري في إسناده
نظر، لا يعني أن الرواية ملغية.
· جميل بن عامر ليس مجهولاً، ولم يقل البخاري في تاريخه أنه مجهول، بل هو: جميل بن عامر الجُمحي، قال فيه ابن عديّ في كتابه الضعفاء (2/172/359): (وجميل هذا أيضاً يُعرف بحديث أو حديثين). مع قول بعضهم أنه لا يُعلم له رواية، إلا أن حديث الغدير غير مقتصر على هذا الراوي فقط!!
ص16: قال عن: سهم بن حصين الأسدي (مجهول).
يبدو أن المؤلف رفض الرواية من حيث التالي:
·
أن سهم بن حصين الأسدي
الكوفي، يروي رواية الغدير عن أبي سعيد الخدري، وهذا مما لا يوافق هواه.
·
اعتمد على أن سهم (مجهول)
بناءً على ما أورده البخاري في تاريخه (رقم: 2458) بقوله (وسهمٌ مجهولٌ ولا يدري)،
والاعتماد على البخاري حاكماً عليه ليس إنصافاً، حيث إنه لم تعقم أرحام الأُمّهات
حتى نحكر عقولنا على ما أورده البخاري من آراء، فهناك غيره ممن فاقه علماً
وعطاءاً، والأمة مليئة بالعلماء المدققين والباحثين المحققين.
·
فإن ابن حبّان ذكر سهماً
في كتابه الثقات تحت رقم (3261).
ص21: أبو نعيم الفضل بن دكين (شيعي):
ذكر المؤلف بأن الفضل بن دُكين شيعي، وعليه
تسقط روايته في حديث الغدير كونه شيعياً، وعليه: إذا كان معيار المؤلف بهذه
الصورة، فعليه أن يرفض روايات الفضل بن دُكين في صحيح البخاري البالغة خمس روايات
تقريباً، وإذا رفضها فإن كلمة (صحيح) التي تتصدر كتاب البخاري ستسقط اعتماداً على
هذا المعيار.
ص26:حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي (شيعي):
الكلام في حبيب بن أبي ثابت نفسه الحديث في
أبي نُعيم الفضل بن دُكين، فقد أورد البخاري في صحيحه أربعة عشر رواية وقع في
إسنادها حبيب.
معلومة: إن البخاري في
مجمل كتابه الصحيح روى عن أكثر من عشرين شيعياً، فهل ستُرفض روايات البخاري لأن
شيعةً وقعوا في أسانيده؟!! ولو أخذنا هذا المعيار لرفضنا تراثاً كبيراً من تراث
المسلمين لأن في أسانيد تلك الروايات شيعة، خصوصاً وأن كثيراً من رواة الشيعة
وصفوا بالصِّدقِ والعدالةِ والثِّـقَة والعبادة في كثير من كتب الرجال؛ إلا أن
المؤلف يبدو له مذهبٌ خاصٌ ومعايير خاصة تناسب مقاسات عقله وهواه.
ص100/ بيان عن المجموعة الأولى.
المجموعة الثانية: نفس أحكام المجموعة الأولى.
لا يختلف المؤلف في طريقته بالحكم على
المجموعة الأولى، لتكون المجموعة الأخرى مرفوضة بحكم أنه وقع في أسانيد حديث
الغدير رواة شيعة، وأحكام أخرى بثّها في الكتاب.
نتيجة البحث:
ص134: قال
ما نتيجته وما توصل إليه من بحث:
(لو كانت حادثة الغدير خبراً صحيحاً لرواه
الناسُ من مختلف المذاهب الإسلامية، ولَظهرَ في كل المدن والبلدان الإسلامية
مشرقاً ومغرباً. وبما أن هذا لم يحدث، وإنما معظم طرقه رواها شيعة الكوفة؛ فإن هذا
يعني أن خبر الغدير بكل طرقه ليس بصحيح، ولا يُمكن أن يكون حديثاً متواتراً؛ لأن
شروط التواتر لم تتوفر فيه، وهي أربعة (1) أن يرويه عدد كثير من الرواة. (2) أن
توجد هذه الكثرة في جميع طبقات الإسناد. (3) أن تُحيل العادة تواطؤ الرواة على
الكذب، كأن يكونوا من بلدان، وأجناس، ومذاهب مختلفة. (4) أن يكون مستند خبرهم
الحِس من سمعٍ وبَصَرٍ وَلَـمْسٍ.
هذه الشروط مجتمعة لم تتوفر في أي طريقٍ من
طُرُقِ روايات خبر غدير خُم).اهـ.
التعليق:
إذا كان الباحث أو المؤلف غير مطّلعٍ فسهلٌ عليه أن يُطلق هكذا أحكام، وينشرها على الملأ، خصوصاً وأنه ادّعى – كما أسلفنا – منصباً وجرأة ومقاماً لنفسه، وكأنه يقولُ في نفسه (لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ)، ما ذنب القارئ أن يُخدع بألقاب وعبارات ونتائج ينقصها التتبع العلمي الدقيق، والفحص الحُر في كتب التراث!!
ص138: قوله: (ومن مظاهر
اضطرابه وتناقضه أيضاً –يقصد حديث الغدير- أن
الطريق السادس – من المجموعة الأولى- الذي
رواه الحاكم النيسابوري، كان مما تضمنه قوله بأن النبي –عليه الصلاة
والسلام- عندما وقف في غدير خم قال: (يا أيها الناس، إنه لم يبعث نبيٌ قط إلا ما
عاش نصف ما عاش الذي كان من قبله، وإني أوشك أن أُدعى فأجيب وإني تارك فيكم ...).
وفي رواية الطبراني أنه قال: (يا أيها الناس إنه لم يُبعث نبي قط إلا عاش نصف ما
عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن أُدعى فأجيب).
وقد فنّد المؤلف بعملية حسابيّة أن ذلك غير
صحيح، وأن الحديث أُلحق لغاية مُخطط لها سَلفاً من قبل رواة الشيعة الذين اختلقوا
رواية الغدير.
التعليق:
بحسب اطّلاعي، أن الحديث ورد في كتب
العامّة، كما استشهد بهما، بالإضافة فإن الألباني في السلسلة الضعيفة قد ضعّفه
(9/436/4434). أما كون الشيعة ألحقوه لغاية فهذا ما لم يأتِ به على دليل، من جهة
أخرى فإن بعض الروايات المُلحقة برواية أخرى فهذا كثير في كتب الحديث، وتحتاج من
المؤلف أو من له قدمٌ راسخة في هذا المجال أن يُصنّف كتاباً إن أراد حول الأحاديث
الملحقة/المدرجة ومنهم حديث الغدير وما طرأ عليه من إدراج أو زيادات، والتي قد
تكون اشتباهاً من الرواة، أو النُسّاخ الذين ليس لهم علاقة بالشيعة، فهذا أمرٌ
شائع – بحسب اطّلاعي -
في كثير من الروايات، ولا يثبت إلا بالأدلة الدامغة والقرائن الثابتة، وإطلاق
الأحكام بهذه الصورة إنما هي من العبث الجدلي غير المستند إلى دليل وحجّة.
الرأي:
1.
لم يعمل بالقرائن لحديث
الغدير، مثل: مرويات الرحبة، مرويات التابعين أو الصحابة، ومرويات أهل البيت &.
2.
لم يُعرّج أو يذكر أبيات
حسان بن ثابت في يوم الغدير ورأيه فيها:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم = بخمٍ وأسمع بالرسول
مناديا
3.
لم يتطرق إلى كتاب الشيخ
الأميني (الغدير) باعتباره أوسع كتاب في هذا الموضوع، في حين أنه رجع إلى بعض
المصادر الشيعية، مثل: كتابي التوحيد والخصال للشيخ الصدوق، الفصول المختارة للشيخ
المفيد، المراجعات للسيد عبدالحسين شرف الدين. ولو رجع إلى كتاب الغدير لربما كان
لديه رأي آخر، أو استخدم لغة أخرى، إلا أن ما أراه أنه لا يعلم بكتاب الأميني، أو
أنه يعلم عنه وتجاهله (والله العالم).
4.
بل إنه لم يرجع إلى مصادر
السنة الأخرى، والذي يبدو لي أنه رجع إلى بعضها وانتقى منها ما يريد، وإلا فقد ذكر
حديث الغدير غير الكوفيين لا كما يدّعي أن حديث الغدير رواه شيعة الكوفة فقط
(ص132)!!، كما أن الحديث رواه علماء كبار من السنّة في كتبهم، [يراجع كتاب (إحقاق
الحق) 2/426-481]
5.
فممن صنّف كتاباً في حديث
الولاية، ابن عقده (من 105 طرق).
6.
حديث الولاية، للطبري (من
75 طريقاً). وذكر التستري في إحقاق الحق (2/426-481) عدة كتب لعلماء سُنّة صنّفوا
كتباً أو رسائلَ في (حديث الولاية)، وتلك الكتب المصنّفة تُبطل دعواه التي يقول
فيها:
(ولا
يصحُّ أن يُقال: إن ذلك الحديث بكل طُرُقهِ وردَ أصلاً في المصادر السنّيّة، لا
يصح؛ لأن الذين اختلقوه ورووهُ ونشروه بين أهل السنة هم أهلُ الشيعة الإمامية والمتأثرين
بهم عامة، ومن الذين كانوا مندسّين منهم بين السنّيين خاصة).
التعليق: يبدو أن
التعصب أعماه عن رؤية الحق، ورؤية من كتب في هذا الحديث، وكأنه يعلمُ الغيبَ حتى
يُطلق هذا التصريح، حيث يجعل جهابذة علماء السنّة لا يميزون بين صحيح الأحاديث
وسقيمها، حتى يخدعهم أصحاب المؤامرة الشيعية بخطتهم المُحكمة في دسِّ حديث الغدير
في كتب السنّة خلال قرون، ولم يكتشف ذلك إلا هو!!
7.
من الواضح أنه
لم يقبل حديث الغدير إطلاقاً، ولن يقبله لأنه يخالف هواه، والدليل قوله في ص133: (وحتى إذا
فرضنا جدلاً أن عدد الصحابة الذين رووا ذلك الخبر الحديثي عشرين صحابياً، فسيبقى
الخبر حديث آحادٍ من جهة، ولا يمكن من جهة أخرى أن يكون متواتراً، ولا يصح وصفه
بالصحيح ولا بالمتواتر، لأنه لم يصح منه ولا طريق واحد فكيف يكون متواتراً؟!).
لأنه –المؤلف- ذكر
(67) رواية وحجّته في ذلك أن الروايات كلها صدرت من الكوفة، والكوفة موطن الشيعة،
والشيعة كذّابون ومختلقون لكثير من الروايات، وأن مصدرها الوحيد هو أبا إسحاق
السبيعي كما ذكرتُ آنفاً.
8.
روى حديث الغدير الصحابة
في المدينة المنوّرة، قبل أن يرويه شيعة الكوفة كما يدّعي المؤلف، فمن الصحابة
الذين رووه: (أبو بكر، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، البراء بن عازب، أبو أيوب
الأنصاري، عبدالله بن عباس، زيد بن أرقم، بريدة، وغيرهم كثير) [إحقاق الحق، نور
الله التستري، 2/431].
9.
رأي السيد هاشم
معروف حول وجهة نظر السنّة في مرويات الشيعة، (دراسات في الحديث والمحدثين، ص148):
(لقد
اتفق أكثر أهل السنّة على أن مرويّات الشيعة لا يجوز الاعتماد عليها لأنهم في
طليعة المبتدعة المتسترين بالإسلام ومن الدعاة إلى بدعتهم؛ لأنهم يَدّعون بأن
الرسول نص على عليٍّ # بالخلافة في غدير خُم وغيره من المواقف،
ووضعوا على حد تعبيرهم آلا ف الأحاديث في فضله وفضل السيدة فاطمة وولديها الحسن
والحسين عليهما السلام. لذلك فهم من المبتدعة الكذابين، والخوارج من المبتدعة
الصادقين ...الخ).اهـ
وتتميماً لقول
السيد هاشم وأن ما قاله حق عن السنّة وليس ادعاء، وتأكيداً لقول المؤلف بحق الشيعة
أنهم يكذبون، حيث أخذ وطَبَّق الكلام ممن قَبْلَه، ومن جعله في أبحاثه قِبْلة،
وهو: ابن تيمية الذي نقل هذا الكلام في منهاج السنّة (1/59): (وقد اتفق أهل العلم
بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذبُ الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا
كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب ...الخ) ثم نقل كلاماً لبعض الأعلام
تأييداً لكلامه، ومنهم قوله: (وقال مؤمَّلُ بن إهاب: سمعتُ يزيد بن هارون يقول:
يُكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن صاحب داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون).
التعليق: هكذا رأي بعض
من أخذ موقفاً من الشيعة دون تثبّت ودون تمحيص، والغريب أن ابن تيمية في منهاج
السنة (1/60) يقول: (قال أبو معاوية: سمعتُ الأعمش يقول: أدركتُ الناس وما
يسمّونهم إلا الكذّابين، يعني أصحاب المغيرة بن سعيد)، والغريب أن المغيرة بن سعيد
ملعونٌ على لسان أهل البيت & في عدة روايات؛ لأنه كذب عليهم، فكيف
يُصنّف شيعياً وهو ملعونٌ لمغالاته وكذبه على أئمة زمانه من أهل البيت &!! فإذا كان
هذا المعيار والضابطة، فلا يمكن الركون لمثل هذه الآراء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق