الأربعاء، 30 يونيو 2021

مع كتاب (تتمة الأعلام) لـ/محمد خير

 وقفة سريعة مع (تتمة الأعلام) لـ/ محمد خير رمضان يوسف.

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

 أصدر/ محمد خير كتابه (تتمة الأعلام) طبعته الأولى في 1416هـ، وأصدر الطبعة الثانية في جزئين عام 1422هـ، وألحقهما بمستدركٍ في جزءٍ واحدٍ في العام نفسه، وأصدر الطبعة الثالثة عام 1436هـ في عشرة مجلدات؛ لتكون الرابعة عام 1437هـ في عشرة مجلدات. ويبدو لي أن سبب إصدار الطبعة الرابعة بعد عام من الطبعة الثالثة، هو وجود خطأ فنيٍ وقعت فيه المطبعة وهو خلوّ الطبعة الثالثة من حرف (الغين) وبعض التراجم من حرف (الفاء)، فجاءت الرابعة في العام التالي كاملةً رغم وجود بعض الأخطاء الفنية منها: (ج5 بعد الصفحة 30 جاءت 8 ورقات مقلوبة)، ولا أعلم هل الطبعة التي لديّ فقط كذلك أم هي في عامة الطبعات!!.

في هذه الوقفة السريعة أحب الإشارة إلى بعض الأمور التي لي فيها رأيٌ يخالف ما ذهب إليه المؤلف في بعض التراجم، وليس الكتاب كاملاً، وهي على النحو التالي:

 

1. في الجزء الأول من الطبعة الثانية جاءت ترجمة السيدة/ آمنة بنت حيدر الصدر، المعروفة بـ(بنت الهدى) في سطور تعريفية قليلة مع الإشارة إلى مؤلفين من مؤلفاتها. وهذه الطريقة هي الطريقة المعتادة التي يقوم بها من يترجم للأعلام، إلا أن المؤلف يبدو لم تعجبه الترجمة، فأضاف لها بعض العبارات غير المنسجمة مع طريقة كتّاب السير والتراجم في الطبعة الثالثة والرابعة، حيث أضاف المقطع التالي الذي لم يكن موجوداً في الطبعة الثانية، وهو: (ومن انحرافها الفكري قولها ببنوة فاطمة فقط للرسول صلى الله عليه [وآله] وسلّم، وادّعت أن رقية وزينب وأم كلثوم رضي الله عنهن ربيباته من أم المؤمنين خديجة من زوجها السابق. وقد ردَّ عليها في مقال علمي رصين أستاذنا الشيخ خاشع حقي، بعنوان "مغالطات آمنة الصدر الملقّبة بالشهيدة بنت الهدى"، رداً لما ادّعته من ذلك في كتابها "المرأة مع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم في حياته وشريعته". ففنّد هذا الإفك، وبيّن تكذيب القرآن الكريم لها في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساءِ المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهن) [سورة الأحزاب: 59] وغير ذلك من الأدلة).

التعليق:

وصف المؤلف للمترجم لها بالانحراف الفكري، والإفك، لا يستقيم مع فن الترجمة، خصوصاً وأن المسألة التي علّق عليها مسألة تاريخية وفيها آراء مختلفة بحثها العلماء في السيرة النبوية، وهم بين من يرى بنوّة البنات ومن لا يرى ذلك. نعم، من حقّه أن يذكر من رد عليها ويشير إلى الدراسة وبعض النقاط المهمّة، لكن الاستطراد والحكم على صاحب الترجمة بعبارات لا تليق أياً كان المترجم له فهذا يُخرج المؤلف عن فن الترجمة.

وأمر آخر في ذات الترجمة وهو: يبدو أن عبارته (اعتقلت بعد اعتقال أخيها السيد الصدر) المذكورة في الطبعة الثانية لم تعجبه، فغيّرها في الطبعة الثالثة والرابعة لتكون (اعتقلت بعد اعتقال أخيها محمد باقر الصدر) وموقع الشاهد كلمة (السيد) التي أسقطها من الطبعتين الثالثة والرابعة.

 


2. 2/123: قال في ترجمة المرجع الشيخ/ بشير حسين بن صادق علي الباكستاني أنه توفي عام 1418هـ، وأنه اغتيل في شهر رمضان، وأن من مصادره كتاب (المنتخب من أعلام الفكر والأدب) للمرحوم/ كاظم الفتلاوي.

التعليق:

أ. الشيخ بشير لحظة كتابة هذه السطور 23/ 3/ 1443هـ حيٌ يُرزق.

ب. ترجم له الفتلاوي في (المنتخب) المطبوع عام 1419هـ وقال عنه: زرته مراراً، ولم يذكر أنه توفي، أي: إن كتاب الفتلاوي طُبع بعد عامٍ من اغتيال الشيخ بشير حسب زعم المؤلف.

ج. قد يكون المؤلف محمد خير أخذ تاريخ وفاته من مصدر آخر، لكنه لم يذكره!! والخلاصة أن الشيخ حيٌ يرزق كما أسلفتُ القول، ولا أعلم كيف جاز للمؤلف يكتب عن وفاته، والشيخ له أكثر من صورة ومقطع فيديو ظهرا في وسائل التواصل والإعلام بعد العام المذكور الذي ذهب المؤلف أنه اغتيل في 1418هـ!!

3. 3/ 71:
ترجم في هذا الجزء والصفحة لشخصية تُدعى/ حسين الموسوي (ت 1422هـ) والذي يراه عالماً مجتهداً مرجعاً، ثم تحوّل إلى أهل السنة والجماعة، وقُتل. ويقصد بذلك صاحب كتاب (لله .. ثم للتاريخ).

التعليق:

من المعروف أن هذه الشخصية مفتراةٌ وغير حقيقية، وقد صنّف الشيخ/ علي آل محسن القطيفي كتاباً يفنّد ما ورد فيه من مزاعم وأباطيل، وطُبع الكتاب عام 1425هـ، ومن يقرأ كتاب الشيخ المحسن يدرك ذلك جيداً، بل إن بعض السنّة المعاصرين ذهبوا ذات المذهب من حيث أسطورية هذه الشخصية وعدم وجود شخصية حقيقية ألّفت هذا الكتاب واسمها (حسين الموسوي).

4. 6/291: في ترجمة الدكتور غازي القصيبي، من الطبعة الرابعة، قال:

(واصطدم بأكثر من داعية وكاتب إسلامي، وقد أخطأ مرة ربما في حق الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلّم فذكر الشيخ ابن باز رحمه الله أنه إما أن يتوب أو أن يُقام عليه الحدُّ. وذُكر قبيل وفاته أنه كان يصلّي، فإذا لم يقدر على الوضوء تيمم).اهـ

التعليق:

قول المؤلف: أنه (ربما) أخطا بحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. السؤال: ما علاقة هذه العبارة بالترجمة؟ خصوصاً وأن المعلومة غير مؤكدة، وخاضعة تحت معيار (ربما)، فلا أرى أن هذا يخدم الترجمة خصوصاً وأن المعلومة غير أكيدة، ولو كانت أكيدة فعلى المؤلف أن يوردها وإلا فلا داعي لذكرها.

ثم قوله (ذُكر أنه كان يصلّي قبيل وفاته)!! وهذا يبدو لي اتّهام مبطّن بأن المترجم له كان لا يصلّي، والأمر نفسه في العبارة السابقة خاضعٌ للنقل غير المؤكّد تحت معيار (ذُكر)، وكأي قارئٍ للترجمة ماذا يفيدني أنه (رُبما) وَ (ذُكر)؟! فهذا مما لا يليق بمؤلفٍ له عشرات الكتب بل تجاوزت المائة كتاب أن يكتب معلوماته وهو غير متأكدٍ منها.

 5. 5/149: في ترجمة عبدالعزيز الجواهري ذكر أن الجواهري جمع ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي، وهذا صحيح، لكن المؤلف وقع في خطأ مطبعي وهو قوله: (محمد سعيد جوبي) بينما الصواب (محمد سعيد الحبوبي) وبعض الأخطاء تغيّر المعنى.

 6. 7/223: ترجمة السيد/ محمد باقر الصدر، ذكره في الطبعة الثانية بترجمة موجزة جداً، وأضاف معلومات في الطبعة الثالثة والرابعة، إلا أنه تخطّى حدود الترجمة إلى محاكمة الآراء، فبعد أن ذكر شيئاً من ترجمته وشيئاً من آرائه، قال: "... وزعم أن الإمام علياً رضي الله عنه كان يعلم الغيب «علما ما كان وما سيكون»! اللهم إنا نبرأ إليك من هذا! والله تعالى يقول لأكرم خلقه محمد صلى الله عليه وسلّم: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ماشاء الله ولو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرتُ من الخير وما مسّني السوء إن أنا إلا نذير وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون) [سورة الأعراف: 188] ولو كان الإمام علي رضي الله عنه يعلم الغيب فلماذا لم يدفع عن نفسه السوء ...؟؟"اهـ.

التعليق:

مسألة علم الغيب، يجب أن تُفهم وفق سياقها الصحيح قبل كل شيء، وإلا لا يوجد أحدٌ من علماء الإمامية من يقول أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام يعلم الغيب استقلالاً؛ بل يكون ذلك عن إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلّم له، أو إلهاماً من الله عز وجل، ولا أطيل في التعقيب؛ لأن ما تفضل به المؤلف خارجٌ عن نطاق الترجمة، وتشويه للشخصية المترجم لها، وهذا مع الأسف وقع فيه المؤلف في أكثر من شخصية، ولا داعي لذكر تلك الشخصيات التي حاكم آراءها في كتابه وتجاوز حدود الترجمة والتعريف، إنما عنيتُ في هذه التعليقات كجزء من إطلالتي السريعة على الكتاب، نعم .. لو ذكر الرأي وتركه خيرٌ من محاكمته وهو يجهل بعض المسائل والتي منها مسألة (علم الغيب للأئمة عليهم السلام في مذهب الإمامية).

 

7. 8/ 207: الشيخ/ محمد علي العُمري. قال عنه: (مرجع شيعي).

التعليق:

هو العَمري (بفتح العين) وليس العُمري.

ثم  لم يكن الشيخ العمري رحمه الله من المراجع!! بل كان وكيلاً شرعياً لجملة من العلماء كما ذكر المؤلف في ثنايا الترجمة، ووجهاً بارزاً للشيعة في الحجاز، فالمرجعية شيء، والمكانة الدينية شيء آخر.

 


ختاماً:

هذه التعليقات السريعة، لا تلغي أهمية العمل، وجهد المؤلف فيه، وتتبعه المصادر المختلفة؛ بل الأمنية أن يتجاوز مسألة الحكم على الآراء والتي مارسها في بعض الشخصيات المشهورة في الميدان الديني أو السياسي أو الأدبي، ففي الأثناء يقرأ القارئ ترجمة أحد الشخصيات، وإذا به يفاجأ بأن المؤلف تحوّل إلى محلل سياسي أو واعظٍ أو شيئاً مختلفاً عن الهدف الذي صُنّف الكتاب لأجله.

الأحد، 20 يونيو 2021

الأحساء في رحلة وليام بلجريف (1279 - 1280هـ)

 


الأحساء في رحلة وليام بلجريف (1279 - 1280هـ)

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

لاشك أن الرحلات التي قام بها المستكشفون للجزيرة العربية كثيرة، وهي مهمّة رغم قلّة المعلومات في بعضها، أو وجود بعض المغالطات والأخطاء التي تكتنفها تلك الرحلات، وقد استُخلصت واستُلّت بعض المعلومات من تلك الرحلات فيما يخص بعض مناطق ومدُن شبه الجزيرة العربية، ومن بين تلك الرحلات رحلة البريطاني وليام بلجريف إلى الأحساء في (1279 – 1280هـ)، والتي تناولها الدكتور/ دايل بن علي الخالدي بالعرض والدراسة كبحثٍ مستقلٍ، نُشر في حوليات المؤرخ المصري بجامعة القاهرة عام 1436هـ.

 

فقد  عرّف د. دايل بالرحالة بلجريف المولود عام 1826م ذي الأصول اليهودية والمعتنق للمسيحية بعدها، وأهداف رحلته التي يحدد رغبته – بلجريف – بأن الهدف هو الرغبة في الاستكشاف والملاحظة، مع دراسة سكّان الجزيرة العربية كعِرقٍ، مع دراسة أحوالهم الفكرية والسياسية والاجتماعية. وقد أعدّ بلجريف عدّته للرحلة من تغيير اسمه من (بلجريف) إلى (سليمان) بالإضافة إلى معرفته بمبادئ مهنة الطب والتي حمل معه صناديق مليئة بالعقاقير وبعدد من المراجع الطبّية لمساعدته في إنجاز مهامه. وقد كان مسار رحلته من الأردن مروراً بالجوف – والتي استلّ د. صالح السنيدي ببحث مستقل منشور "بلجريف في الجوف" – وحائل والقصيم ثم الرياض والأحساء وبعدها إلى القطيف.

وقد صحب معه شخصاً أُردنياً ادّعى أنه مساعده وزوج أخته، وكذلك بقائد القافلة الذي عرّفه بأنه (أبو عيسى) ولم يذكر اسمه، وقد استضافه في الأحساء خلال إقامته فيها، وتجوّل معه في بعض معالمها كعين أم سبعة، وعين نجم وسوقَي الهفوف والمبرز وغيرها. والجميل في هذه الرحلة أن بلجريف يشير إلى محطات الطريق وذكر الأماكن بوصفٍ دقيق كقيام أبي عيسى بوضع أحجارٍ ضخمة، ووضعها في منتصف الطريق بصحراء الدهناء على شكل أهراماتٍ صغيرة يصل ارتفاعها 30 قدماً كعلامة للقوافل حتى عُرفت بـ(رجم أبي عيسى)، مما جعل الرحالة الذين أتوا بعده يثقون بوصفه الذي كتبه في رحلته.

وصف بلجريف الأحساء من الناحية السياسية والأمنية وأن من يسير بين الأحساء والقطيف بأنه آمنٌ تماماً، لقيام حكّام الدولة السعودية الثانية بتأمين الطُرق عبر القضاء على قطّاع الطُرق والنهّابين وأنه ليس لهم وجودٌ، وقد قدّم وصفاً للهفوف وأنها ذات شكل بيضاوي، ووَصَف حي الكوت بأنه عبارة عن قلعة ضخمة يحيط بها خندق عميق وأسوار وأبراج تتميز بالارتفاع والسماكة، ووصف بقية الأحياء كحي النعاثل وحيّ الرفعة الذي قال عن شوارعه بأنها واسعة ونظيفة جداً لدرجة أنه فضّلها على نظيرتها في دمشق، حيث وصفها (وشوارع دمشق أو بريدة لا تصل إلى ربع هذا الاتّساع أو النظافة)، فهو حيٌ صحّي لتميزه بالأناقة وجمال بعض مساكنه.

 وقد زار بلجريف المبرّز وتجوّل في سوقها وشوارعها، ووصف بقية مرافقها، ثم تحدث عن قريبة الكلابية، ووصف أسواق الأحساء وحالتها الاقتصادية والتجارية، وكذا عيون الأحساء التي قال عنها (أبو عيسى) بأنها تصل إلى قرابة 300 عين من كثرتها، وسلّط الضوء على النشاط الزراعي مُبدياً إعجابه بأنواع التمور والرطب لكثرتها وخصّ رطب الخلاص بإعجاب كبير، حتى قال عنه بأنه (أفضل رطب الدنيا كلّها). ولا بد من رحّال كـ(بلجريف) أن يقتحم الحياة الاجتماعية ويوثّق ما يشد الانتباه، وهذا ما ميّز رحلته عن بقية الرحّالة، حيث يقول د. صالح السنيدي: (تميّز عن غيره من الرحالة والمستكشفين بالغوص في أعمال تلك المجتمعات التي زارها فاهتمّ بالجوانب الديموغرافية والأنثروبولوجية، بالإضافة إلى اهتمامه بالجوانب الطبوغرافية والتاريخية والسياسية). واستكمالاً لذلك، فإن بلجريف دوّن مرئياته حول ثقافة أهل الأحساء (المتيّمون بالأدب والشعر سواءً أكان عمودياً أم نبطياً) كما يقول. أما الناحية الدينية فكثير من الباحثين يجمعون أنه نقل الصورة الخطأ عن فهمه للإسلام، وقد أوضح مواقع ذلك الدكتور/ دايل، مفنّداً ما ذهب إليه بلجريف من أن أهل الأحساء والقطيف لم يعرفوا الإسلام إلا بعد أن دخلوا تحت الحكم السعودي!!، لأنه – بلجريف – دوّن رحلته ليقرأها أهل بلده والدول الأوروبية عموماً، وليس تدوينه ليقرأها أهل الأحساء، وهذا يكشف شيئاً من تعصّبه الديني وجهله عن الإسلام في الوقت ذاته.

وقد بذل الدكتور/ دايل، جهداً في تفصيل بعض المطالب وشرحها في هوامش وضعها لذلك، مدعماً ذلك بالمصادر، وبعض الصور ذات الصلة بهذه الرحلة.


نُشر المقال في:

صحيفة الجزيرة  - عدد رقم (١١٧٢٩)

الاثنين ١١ ذو القعدة ١٤٤٢ه‍ (٢١/ ٦/ ٢٠٢١م)

https://www.al-jazirah.com/2021/20210621/wo2.htm

الاثنين، 7 يونيو 2021

فهرسة الكتب

 



بقلم: عبدالله بن علي الرستم

 تُعد فهرسة المكتبات من الأشياء المهمة، ذلك أنها تساهم في التعرّف على حجم المكتبة ومحتوياتها، وكذلك تساعد في التعرّف على أشياء كثيرة، كطبعات الكُتب، وتواريخها، ومعرفة أسماء دور النشر التي كانت حاضرة في الساحة الثقافية ثم اضمحلّ دورها، ونحو ذلك من المسائل المهمة في هذا الشأن.

 يقول الدكتور/ أحمد بنبين: إن أقدم ما وصلنا من فهارس القدماء "شذرات من الفهرس الببليوغرافي الذي وضعه الشاعر اليوناني كاليماخوس" في القرن الثالث قبل الميلاد لأهم خزانة في العصر القديم وهي مكتبة الاسكندرية. وهذا ينم عن أن الفهرسة مهمة منذ زمن متقدم، وقد حظيت كثير من المكتبات العامة على عناية كبيرة من حيث الفهرسة العلمية والفنّية؛ لأنها تساعد الزائر على معرفة ما تحتويه المكتبة من كتب، على خلافه في افتقاد المكتبة فهرسة فنية، حيث يصف السيد/ أحمد الحسيني المكتبات الخاصة أو الصغيرة "والتي ليس لها فهرس مدوّن فني وليس لأكثرها تنظيم ولم تحض بعناية مالكيها أو القائمين بشؤونها، بل أكثرها لم يعلم أحد بما فيها من التراث، بل وجدتُ بعض المالكين لا علم لهم بما في حوزتهم من الكتب والنفائس؛ لأنها وصلت إليهم بالإرث من آبائهم وأجدادهم أو اشتروها بغير وعي تبجحاً بأنهم يملكون مخطوطات ...الخ" والمكتبة بدون فهرس يصعب التعرّف على ما فيها من كتب.

 وبحسب متابعة قاصرة، أن بعض الأعلام حينما ينتقل إلى بارئه مخلفاً وراءه مكتبة كبيرة أو صغيرة، فإن مآل تلك المكتبة إلى البيع العشوائي، أو شراءها من قبل جهة حكومية، أو نحو ذلك، ما هو ملحوظ في هذه المكتبة بعد البيع لا أحد يعلم على ماذا تحتوي المكتبة!! وأعداد الكتب التي فيها، ونوعيتها وطبعاتها وتارة مخطوطاتها وغير ذلك مما له صلة بهذا الأمر، في حين أن الأمر الذي أراه في غاية الأهمية أن تلك المكتبة أياً كان مصيرها، أن يُعمل لها فهرسة خاصّة قبل البيع؛ لكي تساعد من يريد التعرّف على مافيها من نفائس، أو معرفة مصادر المعرفة عند صاحبها، وذلك من خلال نوعية وطبيعة الكتب المقتناة لهذا العَــلَم.

 نعم، حظيت بعض المكتبات بفهرسة فنية، لكن الفهرسة اقتصرت على الكتب المخطوطة ولم تتم العناية بالكتب المطبوعة، وأهمية فهرسة الكتب المطبوعة، ذلك أن بعض الكتب المطبوعة بقيت في عالم النُدرة، وحريٌ بها أن تنال العناية بفهرستها، من جهة أخرى أن بعض أصحاب المكتبات له عناية بأمور أخرى، وهي: تحديد تاريخ ومكان الشراء، أو تحديد طريقة حصوله على الكتاب بالإهداء أو بالإرث، ولعل كثيراً منهم كتب سعر الكتاب، وبعضهم يعتني بكتابة بعض الحواشي أو الفوائد بداخل الكتاب، هذه الأمور مما تسهم في معرفة الشخص وكيفية عنايته بمكتبته، وهذه العملية التي ذكرتها تساعد الباحث الذي سيقرأ حياة صاحب المكتبة من خلال مكتبته وتصنيفها وفهرستها وغير ذلك من الأمور ذات الصلة في هذا الأمر.

وأحمل أسفاً شديداً على كثير من المكتبات التي بيعت قبل أن تنال فهرسة أو على دراسة لها أو دراسة مالكها من خلال مكتبته عن طريق التعرف على محتوياتها والمسائل التي ذكرتها أعلاه.



نُشر هذا المقال في: صحيفة الجزيرة - العدد 17717 - الاثنين 26 شوّال 1442هـ:
https://www.al-jazirah.com/2021/20210607/wo2.htm

الأحد، 30 مايو 2021

طريق الحج الأحسائي - ش. محمد علي الحرز

 


بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب: طريق الحج الأحسائي .. المعالم والتاريخ

المؤلف: الشيخ/ محمد علي الحرز

الناشر: دار المحجة البيضاء بيروت ، دراية للنشر والتوزيع القطيف

تاريخ الطبع: الطبعة الأولى 1442هـ (2021م)

عدد الصفحات: 613 صفحة.

 بقلم: عبدالله بن علي الرستم

 عرض وتعريف:

أطلَّ علينا في هذا العام 1442هـ كتابٌ مهمٌ في بابه، وثريٌ بمعلوماته، وبِكر في عناوينه، حيث تكمنُ أهمية الموضوع في ارتباطه بطريق الحج لإقليمٍ سار على هذا الدرب طيلة أربعة عشر قرناً من الزمان، والمعلومات حوله متناثرة في بطون الكتب، وجَـمعُها يحتاج إلى جهدٍ وطاقةٍ من باحثٍ كالشيخ الحرز سلّمه الله، فالمؤلِّف غنيٌ عن التعريف بعطائه التاريخي والتوثيقي، والكتاب يأخذ بمجامع همّة القارئ منذ البداية وحتى النهاية، وذلك لقيمة الكتاب ومحتواه الذي قلّ من تحدّث عنه في بطون الكتب المعنية، فأتى المؤلِّفُ على جمع شتات تلك المعلومات ويعالج وضعها في لوحةٍ رائعةٍ من روائع درره التي يبثّها في بحوثه.

جاء الكتاب ليسد ثغرة في تاريخ طُرقِ الحج، حيث من كتب عن طرق الحج الأُخرى كثير، مثل: طريق الحاج العراقي والشامي والمصري واليمني، إلا أن طريق الحاج الأحسائي لا توجد عنه إلا إشارات سريعة في بحثٍ هنا أو هناك، فجاء هذا الكتاب ليساهم في سد الفجوة في طرق الحج. والجميل أن الباحث الشيخ جاء بالشواهد وفق التسلسل التاريخي، منذ العصور الإسلامية الأولى مروراً بدولة القرامطة فالعيونيين والعصفوريين، ودور الجبريين في مدّ جسور التواصل بين الأحساء والحجاز، مع إسهام كبيرٍ في حفظ طريق الحجيج، كالتصدّي لقطّاع الطرق واستقطاب العلماء إلى الأحساء، ودعم التجارة بين المنطقتين، وتكثير الأعطيات للمجاورين في الحرمين، ثم عن دور آل مغامس فالدولة العثمانية الأولى ودورها في العناية بطريق الأحساء الحجاز؛ ليأتي الدور في إكمال المسيرة على دولة بني خالد وعنايتهم بالحجيج وطرق الحجيج.

 


لم يغفل الشيخ الحرز عن مناقشة المصاعب والمخاطر ذات الصلة بطريق الحاج، مع ذكر الجهود المبذولة في تأمين طريق الحج لكل دولة من الدول المذكورة، والتعريف بالمصطلحات القديمة عند الجغرافيين والبلدانيين القدماء، مع ذكر المسافة بين الأحساء والحجاز والعوامل المؤثرة في تحديد طريق الحج، حيث هناك طريق مباشر إلى مكة المكرمة وهذا حال استتباب الأمن حيث كان الطريق بإيجاز   من الأحساء إلى اليمامة يمرُّ بدرب برجد فحوجّان مروراً بدرب مزاليج (الحني) ثم من اليمامة مروراً بالحريق والقويعية إلى عفيف فالبديعة ثم المويه ثم إلى مكة المكرمة، وهناك طريق غير مباشر حال وجود شيء من القلاقل والفوضى التي يثيرها مشاغبوا الطريق من قطّاع الطُرق في مواقع القبائل التي يمر عليها طريق الحاج الأحسائي.

 

كذلك كان من ضمن محتويات الكتاب عدد الحجاج الذين يسلكون هذا الطريق، وانتماءاتهم العرقية، حيث يلتحق بموكب الحاج الأحسائي جماعة كثيرة من إيران والبحرين وعُمان وقطر والكويت والهند، وذلك نتيجة للجهود المبذولة في تأمين طريق الحاج الأحسائي بجهود أمرائها، يضاف في هذا الصدد أن المؤلف جاء على ذكر أمراء الحج الأحسائي في زمن كل دولة، وعن دور أمير الحاج ومواصفاته، نظراً للمهمة الكبيرة التي يتولاها أمير الحاج كمعرفته بالمواقع، وحسن تصرّفه في الأزمات كونه يمثّل الدولة التي تحكم منطقة الأحساء. ومع أن كسوة الكعبة كانت تُصنع في أماكن متعددة، فقد كان للأحساء شرف صناعة كسوة الكعبة وذلك في عهد الدولة السعودية الأولى، وعهد الدولة السعودية الثالثة، مع تعريجٍ وتعريف بأماكن حياكتها، حيث عُرفت الأحساء واشتهرت بصناعة النسيج وخياطة المشالح  التي تصدرها لمختلف المناطق على مدى سنوات، وكان كثير من الزعماء يفضّلون البشت الحساوي، وقد اختصت عدة من الأسر الأحسائية بهذه المهنة، كعوائل: العمّار والمهدي والحرز والخرس والمحمد صالح والخواجه والرمضان والقطان ...الخ، وعليه ففي العهد الأول للدولة السعودية بعد أن سيطر الإمام سعود بن عبدالعزيز على مكة المكرمة عام 1220هـ، واستطاع عزل الشريف غالب من إمارتها، ونتيجة للظروف المختلفة لتلك الفترة، أمر أن تُصنع الكسوة في الأحساء نظراً لشهرتهم في صناعة النسيج والمشالح، فكانت تُرسل الكسوة في السنوات التي حكمها الإمام سعود من الأحساء إلى مكة المكرّمة، حيث كان مكان صنعها في منزل/ عيسى بن شمس بمدينة المبرّز في شارع الحاكَة بحيّ المجابل، وكذلك في عهد الملك عبدالعزيز تشير المصادر إلى أن الكسوة تُرسل من الأحساء وذلك عام 1343هـ، بالإضافة إلى صناعة المداد من الخوص التي أرسلت كذلك من الأحساء.

 


ونظراً لاحتلال الأحساء هذا الدور الكبير والمهم في العناية بطريق الحاج الأحسائي، كانت هناك رسائل من الحكومة الفارسية في الفترة (907 1148هـ) لأمراء الأحساء والتي بلغت أحد عشر رسالة ذكرها الشيخ في كتابه هذا، موثقاً إياها، مع تعريجٍ لملامح الحركة العلمية للأحسائيين في الحجاز، كنسخ الكتب، وأخذ الإجازة، واستقطاب العلماء، واللقاء بكثير منهم، وغير ذلك من المسائل ذات الصلة في هذا الميدان، حيث جاء الباحث على ذكر ذلك كلّه موثقاً بالمصادر، وهذا ما جعل الكتاب كبيراً في حجمه، نظراً لحجم المعلومات المهمة في هذا الشأن، وليكون الكتاب شبه شاملٍ لكل ما يتعلق بطريق الحج الأحسائي، ولا شك أن عملاً بِكراً في هذا الميدان تقع فيه بعض الهِنات والتي لا تفقد البحث قيمته العلمية، ففي الأثناء التي كان يلتحق بعض حجاج البلدان المجاورة بالركب الأحسائي نتيجة للظروف الأمنية كما ذكر المؤلف الحرز، فإن هناك عملية عكسية فاتت المؤلف، وقد ذكرها صاحب كتاب (منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم) لعلي السنجاري (ت 1125هـ) 5/367 أنه في عام (1115هـ) كان عدد الحجاج قليلاً ولم يوضح الأسباب حيث التحق الحاج الأحسائي بالركب الشامي مع العجم، ويبدو أن ظروفاً أمنية جعلت نسبة عدد الحجاج قليلاً.

 نسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد للمؤلف الشيخ الحرز في بحوثٍ أخرى، وفي طبعات لاحقة لهذا الكتاب المهم.

صحيفة الجزيرة، الاثنين ٩ ذو الحجة 1442هـ (١٩ يوليو 2021م)، العدد رقم (١٧٧٥٣)

https://www.al-jazirah.com/2021/20210719/wo2.htm

السبت، 22 مايو 2021

وقفة سريعة على كتاب الذريعة ومستدركاته


وقفة سريعة على كتاب الذريعة ومستدركاته

لا أحد يجهل ما لكتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) للشيخ/ محمد محسن الطهراني (ت 1389هـ) المعروف بـ(آغا بزرك الطهراني) من قيمة علمية مهمة، فالكتاب ينبئ عن جهد شخص واحد في مجال واحد، ناهيك عمّا سطّرته يراعة المؤلف في مجالات أخرى، حيث المطلع على سيرة الطهراني يدرك أن سميراه القرطاسُ والقلم. ولعل قصة تأليف الكتاب غير خافية على الباحثين والعلماء، ذلك أن عبارة كتبها/ جرجي زيدان - الكاتب المعروف - في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية 6/ 3) قوله: "ومن أن ما يقال في شأن كتب الإمامية إن صحّ فقلد لعبت بها أيدي سبأ، فهي أشبه شيء بالوهم والخيال، وأن من يُدعى له الفضيلة منهم فقد ذهب ذكره مع حديث أمس الدابر، وهل هم اليوم إلا رمّة بالية لا يستفاد بهم ولا بآثارهم). اهـ.

وقد أثارت هذه العبارة غيرة علماء الشيعة، ودفعت بثلاثة منهم إلى التصدي لهذه الكلمات، وهم: السيد حسن الصدر حيث ألّف كتابه (تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام)، والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء حيث ذكر ردوده ونقوده على جرجي زيدان وغيره في كتابه (المراجعات الريحانية)، والشيخ آغا بزرك الطهراني حيث ألّف هذا الكتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ويقع يقع في 26 مجلداً، وموسوعة أخرى اسمها (طبقات أعلام الشيعة) في التراجم.

وشأن هذا العمل الموسوعي الذريعة شأن غيره من الموسوعات الفردية، التي بذل فيها كتّابها الجهد الكبير لإتمام ما بدؤوا به، شأن ذلك السهو والنقص ونحو ذلك، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى الظروف العصيبة التي صُنّف فيه كتاب الذريعة، والاستدراك لا يقلل من شأن الكتاب الأساسي؛ بل هو البذرة الأساس التي دعت المستدركين أن يواصلوا العمل. وقد صدر على كتاب الذريعة عدة مستدركات، وهي:

1- مستدرك الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للسيد أحمد الحسيني، وقد صدر الكتاب في مجلدين عن مجمع الذخائر الإسلامية ومركز كربلاء للدراسات والبحوث عام 1436هـ (2015م)، ومقدار ما استدركه السيد الحسيني هو (1740) كتاباً، جزاه الله خير الجزاء.

2- مستدرك الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للأخ الفاضل الشيخ/ أحمد علي مجيد الحلّي، وقد صدر الجزء الأول منه عن مكتبة الإمام الحكيم العامة والعتبة العباسية المقدسة عام 1440هـ (2019م)، ومقدار ما استدركه وأضاف معلوماتٍ له الشيخ الحلّي في هذا الجزء (500) كتابٍ، جزاه الله خير الجزاء، وذلك بمناسبة مرور خمسين عاماً من رحيل الشيخ آغا بزرك الطهراني.

3- تكملة الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للسيد محمد علي الروضاتي، يقع في مجلدين.
4- إلى استدراك الذريعة، للسيد محمد الطباطبائي البهبهاني المعروف بـ(منصور)، صدر الكتاب عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث التابع للأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة.

ويبقى كتاب (الذريعة) نجماً ومصدراً مهماً من بين المصادر لمعرفة ما للشيعة من تراثٍ مكتوب أو مخطوط. ومع شديد الأسف أن اللغة التي تحدث بها جرجي زيدان لا زالت تجري على ألسنِ بعض المعاصرين ممن يوصفون بالعلم والتتبع، حيث تصدر عنهم بين فينة وأخرى عبارات لا تليق بشخص عاديٍ فضلاً أن يكون طالب علم، وهذا إن دلّ فإنما يدل على مرضٍ مستشرٍ في النفوس وهو نكران ما للآخرين من عطاءٍ وجهدٍ ساهمت بما لديها في رفعة الإسلام عن طريق المؤلفات في جميع العلوم.

والحديث عن موسوعة (الذريعة) ومؤلّفها لا تكفيه هذه السطور القليلة، إنما هي وقفةٌ وتعريف سريع بها وذكر ما تم استدراكه عليها، نسأل الله تعالى للسيد الحسيني الصحة والسلامة في إخراج ما لديه من كنوز، والموفقية لعزيزنا الشيخ الحلّي في إكمال ما بدأ به من استدراك وإضافة حول (الذريعة).

ونسألكم الدعاء.



 


علي جواد الطاهر .. وجهوده في التاريخ - للدكتور/ عبدالله الحيدري


علي جواد الطاهر .. وجهوده في التاريخ للأدب في المملكة العربية السعودية


عرض وتعريف:

سررتُ بصدور كتيّب يتحدث عن الدكتور/ علي جواد الطاهر (ت 1417هـ)، وسرّني أكثر أنه بقلم الدكتور/ عبدالله الحيدري، والذي يفاجئنا بين الفينة والأخرى ببعض الإصدارات التي تنم عن تتبع هادئ، وليس هذا غريباً على الحيدري وفقه الله لإصدارات أخرى. صدر الكتيّب عن دارة الملك عبدالعزيز - مشكورة - هذا العام 1442هـ في 106 صفحات. 

وقد رصد الحيدري جهود الطاهر في كل ما يتعلق بكتابه (معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية) من بدايات الكتابة فيه على شكل حلقات بمجلة العرب مروراً بمتابعة الطاهر لكل حلقة يكتبها في المجلة، وانتظاره ردود الفعل على تلك الحلقات المنشورة أو حينما صدرت الطبعة الأولى في مجلدين عام 1405هـ، وذلك بعد أن كوّن علاقات متينة بأدباء المملكة ومثقفيها وشعرائها وأساتذتها الجامعيين، والكتاب معجم المطبوعات - يعد رائداً في مجاله، خصوصاً وأن الدكتور الطاهر صاحب قلمٍ ثريٍ مفعم بثقافة موسوعية وهمّة ونشاطٍ قلَّ نظيرهما، وهذا يلمسه من له عناية واهتمام ومتابعة لإصدارات الطاهر في مجال الأدب والنقد والتحقيق، وكما قال عنه الدكتور/ عبدالله الوهيبي: (لقد بذل في تحرير هذه الموسوعة جهداً كبيراً، ليس ذلك فحسب، بل وأخذ يتصل بمن يستطيع الوصول إليه ممن له صلة بما ورد في الموسوعة بغية إظهارها قليلة الأخطاء قدر الإمكان).

 ويتميز الحيدري في هذه الدراسة برصد متأنٍ ومتابعة دقيقة لمصطلحات الطاهر في كتابه (معجم المطبوعات)، بدءاً من التعريف به وبكتابه المعجم، مروراً بآراء الدكتور الطاهر في الأدب السعودي تاريخه وشعره ونثره ووظيفته؛ ليأتي بعدها تسليط الحيدري الضوءَ على انطباعات الطاهر وتعليقاته ومنهجه النقدي الذي يرى الحيدري أن الطاهر يطرح رأيه بحيادية تامّة دون محاباة أحد، وذلك عبر استخدامه قدرته النقدية في وصف شعراء كبار بأنه مجرد ناظمين للشعر ولا يرتقي مستواهم إلى الفحولة الشعرية، ورفع شعراء مغمورين لم يُلتفت إليهم من قبل راصدي الحركة الأدبية في المملكة، بحيث يبني آراءه دون الاعتراف بنعوت الآخرين إزاء شعر ونثر فلان وفلان من الأدباء، خصوصاً وأن الطاهر يتميز بذائقة أدبية عالية، مع تخصص في هذا المجال. 

وأحب الإشارة إلى كلمة مهمة ذكرها الدكتور الوهيبي حول الدكتور الطاهر، وهي: (إن علي جواد الطاهر كان زاهداً كل الزهد في أي عائدٍ مادّيٍ يأتيه من مجلة "العرب" لقاء ما نُشر فيها من مقالات كان القرّاء يتلهفون على متابعتها، وعندما أصرّ حمد الجاسر على مكافأته طلب منه ألا يُفسد ما بينه وبين "العرب" بإدخال موضوع المادة بينهما).

أما عن الخاتمة حول قيمة كتاب (معجم المطبوعات) وأثره وطريقته وإحصائية لما رصده الطاهر في معجمه، مع موازنة بين كتابه وكتب أخرى سابقة ولاحقة، مع تسميةٍ للحيدري ورصد بلغة الأرقام لتلك الإصدارات، مع قيام الحيدري بتصحيح بعض ما وقع في معجم الطاهر والتي لا تقلل من حجم هذا العمل، وهذه التفاتة جديرة بالعناية عند الحيدري، حيث لم ينبه على تلك الأخطاء الراحل حمد الجاسر أو فاتته والذي كان صديقاً للطاهر، ورغم التعديلات التي ذكرها الحيدري أحب الإشارة إلى أنه لم يوفق في معلومة، وهي: في ص31 قال: (حدد مكان ميلاد عبدالله آل عمير بمحلة (النعائل)، والصواب (النعاثل)، وهي قرية معروفة في الأحساء). اهـ. والصواب: أن النعاثل ليست بقرية؛ بل هو حيٌ من أحياء الهفوف ولا زال إلى يومنا هذا. 

أجدد شكري وإعجابي باختيار الدكتور الحيدري شخصية الدكتور/ علي جواد الطاهر بدراسة معجمه وإصداره في كتيّب، مع أملي أن يواصل الحيدري في دراسة ما تبقى من تراث الطاهر، ومنهجه النقدي والتحقيقي والتعليمي في مؤلفاته الأخرى، فهي لا تقل شأناً عن (معجم المطبوعات)، وأعلم أن الحيدري له القدرة على هذه المهمّة، وأحب الإشارة أخيراً أن المعجم يقع في 4 مجلدات بواقع 1994 صفحة لكافة المجلدات.

 http://bshaer.net/?p=21418


https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=5246393158765012&id=100001831403883

الثلاثاء، 18 مايو 2021

فواصل قرآنية لأبي الرضي


الكتاب:
فواصل قرآنية "وقفات تأملية في معاني الآيات وأساليبها البيانية"

المؤلف: عيسى بن مبارك الربيح

الناشر: بسطة حسن

تاريخ الطباعة: الأولى 1442هـ

عدد الصفحات: 392 صفحة

عرض وتعريف: عبدالله بن علي الرستم

 التعريف بالكتاب:

أطلّ علينا في نهاية شهر رمضان المبارك لهذا العام 1442هـ كتاب في التأملات القرآنية، وما أحوجنا لمثل هذه التأملات كثقافة نتعاطاها في حياتنا اليومية، أو قراءات موثقة في كتاب، وليس جديداً أن يطلَّ علينا أبا الرضي أ. عيسى بهذه التأملات التي قضى شطراً منها بين الكتب المعنية بشؤون التفسير والأغراض البلاغية واللغوية؛ ليجلي بعض الغموض عنها، خصوصاً وأنها تتحدث عن أشرف كتابٍ عرفته البشرية وهو (القرآن الكريم)، وأستطيع أن أشبه هذه التأمّلات بكتب الأمالي وتحديداً (أمالي الشريف المرتضى) وذلك لمشابهتها في تناول الآيات الكريمات وشرحها مستعيناً بعلم اللغة والبلاغة، والنصوص الروائية المروية عن محمد وآل محمد عليهم السلام، مع التعريج والاستئناس والمقارنة بآراء المفسّرين الذين لهم قدمٌ راسخة في هذا الميدان، والتي رجع لها المؤلف مستفيداً وموثقاً لما يعزز تلك الآراء التي طرحها في كتابه.

أجلتُ النظر في ورقات الكتاب، وقرأتُ بعض فواصله متأملاً ومستفيداً من تلك السطور التي كُتبت بعناية، وذلك من خلال جولات المؤلّف المتعددة بين كتب اللغة والبلاغة؛ جامعاً ومقارناً وراصفاً تلك الفواصل وفق خطة تساعد القارئ على الانسجام بلغة رائعة غير معقّدة، وإيجاز غير مخل في الموضوع الواحد، وكما أسلفتُ القولَ أنها أشبه بالأمالي، وهي كذلك، حيث كان أبا الرضي ينشرها على شكل فوائد وتأمّلات بين يومٍ وآخر على مدى سنواتٍ خمس تقريباً، علّه يحظى بمراجعة أو مناقشة من قبل بعض المهتمين.

جاءت هذه التأمّلات متنوّعة ومنتقاة من القرآن الكريم، فهي ليست بتفسيرٍ، ولا تخضع لتسلسل معيّن لآيات القرآن الكريم، بل هي تنقلات بين آية وأخرى، ومن لطائف الالتفاتات عند المؤلف التفريق بين الكلمات التي يُظن فيها الترادف، أو التي يذهب لها العامّة أنها ذات دلالة واحدة، مثل قوله ص63 حول (الشك والرَّيْب)، حيث أفاد أن الشك حالة عقلية، والريب حالة عقلية ونفسية، وهنا تكمن أهمية التدبّر، وغيرها من الكلمات والآيات التي يكشف عنها الغوامض.

ومن الآيات التي سلّط عليها المؤلف الضوء، التالي:

1- قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون).

2- قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر * حتى زرتمُ المقابر).

3- الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسنُ عملاً وهو العزيز الغفور).

وغيرها من الآيات الكريمات التي جعل مفتاح تأملاته بتمهيدٍ، ثم التعريج على دلالة بعض المفردات، ثم التفريع ببعض العناوين ذات الصلة بمفردات الآية الكريمة، معززاً أقواله بآراء العلماء، ثم ختام الفاصلة التي يبيّن فيها خلاصة جولته في تأمله للآيات الكريمات، والتي بلغت تسعة عشر عنواناً أو فاصلة كما أسماها.

 ختاماً:

كم هو جميلٌ أن يتناول الأخوة من الباحثين التأمّل في القرآن الكريم، خصوصاً من يمتلك أدوات البحث في هذا الميدان، وكم نحن بحاجة إلى تعزيز ثقافتنا القرآنية عبر القراءة والمناقشة والاستفادة من وسائل التواصل. بارك الله في المؤلِّف والمؤلَّف، سدد الله خطاه ورزقه بصيرة في دينه وكتابه العزيز. ونصيحتي للشباب والقُرّاء الكرام، أن ينوّعوا في قراءاتهم فيما يساهم في تعزيز الثقافة القرآنية.


  مع كتاب (أوهام من مرويات السيرة النبوية) ? عبدالله بن علي الرستم بيانات الكتاب: أوهام من مرويات السيرة النبوية (روايات حديث غدير خُ...