الأربعاء، 19 يونيو 2019

سياسة الإدارة العثمانية في الأحساء


اسم الكتاب: سياسة الإدارة العثمانية في الأحساء تجاه البادية (1288 – 1331هـ/1871 – 1913م)
المؤلف: ليلى بنت محمد الفوطه
دار النشر: جداول للنشر والترجمة والتوزيع – بيروت
تاريخ النشر: الطبعة الأولى – 1440هـ (2019م)
عدد الصفحات: 117 صفحة

عرض وتعريف: عبدالله بن علي الرستم

العرض:
تأتي هذه الدراسة تكملة لدراسات مختلفة عن تاريخ الأحساء، بيد أن هذه الدراسة ركّزت على فترة الوجود العثماني الثاني وسياسة الإدارة تجاه البادية، لما تشكله البادية من دور كبير في استقرار وزعزعة جميع جوانب الحياة المختلفة (اقتصادية، سياسية، أمنية ..الخ) في الأحساء. جاءت الدراسة بمقدمة مقتضبة عن تاريخ الأحساء منذ صدر الإسلام وحتى الفترة محل الدراسة، مسلطة الضوء على المزايا الاستراتيجية لواحة الأحساء كموقع جغرافي متميّز وواحةٍ بها مقوّمات الحياة منذ القِدَم مما جعلها تحت أنظار الطامعين في الاستيلاء عليها من قبل كثيرٍ من الدول التي تعاقبت على إدارتها، وأشارت في الوقت ذاته إلى دور الأهالي في استثمار مقوّمات الحياة الزراعية والبحرية والتجارية بالإضافة إلى الأيدي الفنيّة العاملة والتي كان لها دورٌ في الحفاظ على عطاءات المنطقة المختلفة.
أما ما يتعلق بموضوع الدراسة أشارت المؤلفة إلى أن عدد سكان البادية يفوق عدد سكّان الحاضرة بضعفين وأن تكوينهم لا يختلف عن غيرهم من سائل القبائل النجدية، حيث يعتمدون على رعي الإبل ويتنقلون من مكان لآخر لأجل الماء، ولهم نشاطهم التجاري مع الحاضرة كتبادل بيع وشراء السلع المختلفة، وأن أبرز القبائل القاطنة في بادية الأحساء من حيث القوة والعدد واتّساع الديار والانتشار هم العجمان وبني مُرّة، تليهما قبائل بني خالد وبني هاجر وقبيلة مطير والعوازم. وقد تناولت المؤلفة إلى مواقع كل قبيلة وتاريخ وجودهم في الأحساء ومدى انتشار كل واحدةٍ منها وانتمائها الجذري للقبيلة الأُم وما تتميّز به من قوّة ونفوذ وتأثير في مسار الأحداث.

أما عن العلاقة بين القبائل فكانت متذبذبة، أي: لم تكن على وفاقٍ دائم وليس على اختلاف دائم؛ بل كانت تحكمها المصالح، وأن النزاعات كانت سمةً من سمات القبائل وخصوصاً في فصل الصيف لقلّة المراعي والمياه وحاجة القبائل ومواشيها لذلك من أجل البقاء. يضاف إلى ذلك أن بعض القبائل المحلية شكّلت تحالفات لتضمن استمرارها وإلا حصل التقاتل المستمر الذي ليس في مصلحة أحد، فقد تحالفت قبائل العوازم مع العجمان، وبني خالد مع العجمان، وآل مرة مع العجمان، ولكن هذه التحالفات لم تكن مستمرة فسرعان ما تنتهي وتعود الخلافات والنزاعات فيما بينها، وفي ذات الوقت كانت العلاقة بين قبائل الإقليم وخارجه قائمة بغرض التبادل التجاري. أما فيما يتعلق بتعدّيات القبائل على القوافل التجارية وقوافل الحجّاج -–على طريق العُقير -–فقد كانت مصدر إزعاجٍ مستمر مما أثّر على اقتصاد المنطقة، حيث كانت نتائج تلك الهجمات قتلٌ في الأرواح وسلبٌ للأموال وما يمكن أن يستفاد منه، وقد عانت الأحساء من هجمات تلك القبائل نتيجة عدم خضوعها لسلطة مركزية.

جاء حديث المؤلِّفة على دوافع قدوم العثمانيين إلى منطقة الأحساء عام 957هـ باعتبار أن الأحساء جزء من شبه الجزيرة العربية، وامتداد طبيعي للأملاك العثمانية من جهة جنوب العراق، وكذلك وقوفاً أمام الخطر البرتغالي حينها بغرض تأمين الطريق البحري؛ لأنه يهدد مصالح العثمانيين، وكذلك لحماية المنطقة العربية من الخطر الصفوي باعتبار أن الأحساء تُعد منطقة حدودية فاصلة وخط دفاع أوّل عن الأملاك العثمانية، وكذلك توسيع نفوذها في الجزيرة العربية ومراقبة أوضاعها عن كثب، إلا أن ذلك لم يستمر بعد أن تم تقسيم المنطقة إلى لواءين الحسا والقطيف، لوجود بعض الصراعات الداخلية التي أثّرت على استمرار الأمن وبزوغ بعض القيادات المحلّيّة أمثال: براك بن غرير شيخ بني خالد الذي استفاد من ذلك التصدّع الحاصل وخروج الأحساء عام 1210هـ من أيدي العثمانيين، والذي جاء نتيجة طبيعية في الاستفراد بإدارتها وسد الفراغ الناشئ من تلك الصراعات، ثم توالت الحكومات المحلّية على الأحساء.
وحول الوجود العثماني الثاني عام 1288هـ فتشير المؤلفة إلى عدة أسباب، منها: محاولة إبعاد البريطانيين عن المنطقة العربية، وكذلك نتيجة الصراعات الحاصلة محلياً الذي لو استمر لحوّل المنطقة إلى صحراء مجدبة بدلاً من مورد اقتصادي مهم، لذلك حينما جاء مدحت باشا عام 1286هـ وقام بإصلاحات كثيرة ومنها ضم الأحساء والقطيف إلى ولاية بغداد نجحت محاولاته بضمهما والشروع إلى التقسيمات الإدارية في المنطقة.



في المبحث الثاني المخصص عن سياسة العثمانيين الأمنية تجاه البدو؛ فإنها استخدمت أساليب مختلفة شدّة وليناً على حسب الظروف المصاحبة، وقد تنوّعت أساليب الحكومة العثمانية تجاه البدو من متصرّف لآخر، فأثناء الحزم يتم منع الأُعطيات لشيوخ القبائل حال تمرّدها أو حبس بعض أفرادها المهمّين أو فرض الحصار عليهم بعدم التحرّك أثناء القحط أو عدم السماح لدخولهم للأحساء من أجل التسوّق ونحو ذلك، بينما يرى متصرّف آخر أن الأُعطيات يجب أن لا تقف لما في ذلك من دورٍ مهم في تعزيز الأمن واستقرار الأوضاع، وكل هذه التصرّفات أرادت الإدارة العثمانية من خلالها أن دور الحكومة السعودية الثانية قد انتهى، وعلى زعماء القبائل المجاورة التعاون مع المتصرّفية في الأحساء لاستتباب الأمن، وقد تحقق لها ذلك. ولا يخفى الإشارة إلى أن الحكومة العثمانية أنشأت الكثير من القلاع في الأحساء والقطيف والعُقير لأجل حفظ القوافل والمارّة من اعتداءات القبائل عليها.

وقد بذلت المتصرفية الكثير من الجهود لأجل توطين البدو وترك حياة الترحال، فلم تحصل استجابة سريعة من قبل بعض القبائل إلا من وافق مُكرهاً، وتعاملت مع من عارض قرار التوطين بمصادرة أملاكه، وهذا مما سبب الكثير من القلاقل في المنطقة، مما حدا بالإدارة العثمانية أن تؤجل قرار التوطين إلى أمدٍ آخر، إلا أن ذلك لم يساهم في إيقاف حملات الإغارة والسلب والهجوم على مزارع الأحساء والقطيف، وهذا مؤشر إلى ضعف الإدارة العثمانية في استتباب الأمن؛ بل زاد الضعف حينما تم عزل مدحت باشا عن ولاية بغداد بعد أن كان السبب في توجيه الأنظار إلى ضم الأحساء والقطيف لولاية بغداد.
وقد كان هجوم القبائل على السفن الحربية وأعمال السرقة والنهب ومواجهة العساكر العثمانية بين مدٍّ وجزر، وهذا نتيجة ضعف إدارة بعض المتصرّفين على الأحساء في استتباب الأمن، ناهيك عن التدخلات البريطانية في سواحل الخليج التابعة للحماية العثمانية، يضاف إلى ذلك أن بعض المتصرّفين في الأحساء لا توجد لديهم الخبرة الكافية في التعامل مع القبائل، ولذا كانت تعديات القبائل بين فترة وأخرى لأجل تأمين الحياة الاقتصادية لهم، لذا تكبدت الحكومة العثمانية خسائر بشرية ومادية وضعف ثقة التجار فيهم، ومما زاد الأمر  سوءاً أن موظفي الجمارك في ميناء العُقير تركوا العمل بحجة عدم صرف مرتّباتهم، وغياب الأمن، ومما زاد الطين بِلّة أن المتصرف محمود ماهر باشا حينما تم تعيينه متصرفاً عام 1324هـ سمح واتفق مع القبائل التي تغير على القوافل أن يأخذ نصيبه من غنائم السلب والنهب.

من الأمور التي ساهمت تعديات القبائل على القوافل وأرزاق الناس في المزارع ونحو ذلك، القوّة القتالية والعسكرية التي تتميز بها بعض القبائل، وامتلاكهم مختلف الأسلحة، ومعرفتهم بطرق الصحراء أثناء سلب القوافل وسلكهم طرقاً وعرة، مما يصعب على الجنود العثمانيين ملاحقتهم لجهلهم بطرق الصحراء، كذلك ضعف إدارة بعض المتصرفين وقلة المرتّبات التي تُصرف لهم وضعف الخبرة وكثرة تغييرهم بين فترة وأخرى، يضاف إلى ذلك وصل الأمر إلى تقسيم الطُرق بين القبائل، بحيث لا يُسمح لأي قبيلة أن تسلب الطريق التابع للقبيلة الأخرى، فقبيلة العجمان لها طريق الأحساء العقير، والخوالد والهواجر لها طريق القطيف الأحساء وبني مرّة لها طريق الأحساء، وكان لهذه الأمور أثر كبير في لجوء بعض الوجهاء إلى الخارج في التدخل لإدارة الأوضاع. كل هذه الأمور وغيرها ساهمت في ضياع هيبة الدولة العثمانية في الأقطار البعيدة عن مركز الحكم، والتي نتج عنها انتهاء الوجود العثماني الثاني في المنطقة.



السبت، 15 يونيو 2019


اسم الكتاب: أعلامٌ من شرقيّ الجزيرة العربية (الجزء الأول)
المؤلف: عبدالله بن علي الرستم الأحسائي
تقديم: سماحة السيد/ هاشم الشخص
دار النشر: أطياف – القطيف + المحجة البيضاء – بيروت
سنة النشر: الطبعة الأولى – 1440هـ (2019م)
عدد الصفحات: 150 صفحة
المقاس: 14 × 21.5 سم

عرض وتعريف:
هو الجزء الأول من هذا الكتاب، الذي – بإذن الله تعالى – سيكون نواةً لسلسلة من أعلامٍ مغمورين ينتمون إلى شرقيّ الجزيرة العربية، فليس الغرض هو تسليط الضوء على الشخصيات التي كُتب حولها مصنّفات ومقالات وبحوث، إنما الغرض هو البحث عن الأعلام المغمورين والذين كانت لهم بصمةٌ في سماء المعرفة، فقد كانت هذه التراجم متناثرة بين بطون الكتب، فتم جمعها ثم الكتابة عنها بشكل مفصّل نظراً لقلّة المصادر من جهة، أو عدم وجود من كتب عنها من جهة أخرى إلا ماندر.
جاء هذا الكتاب ليتناول ستّ شخصيات وهم:
1- إبراهيم بن إسحاق العبدي (أبو إسحاق الهَجَري).
2- حوشب بن عقيل العبدي (أبو دحية الهَجَري).
3- عبدالحميد بن عبدالمجيد الهَجَري (الأخفش الأكبر).
4- عباس بن يزيد البحراني (عباسويه).
5- محمد بن معمر البحراني (أبو الحسين).
6- علي بن الحسن العبدي (ابن المقلة).
وتأتي هذه التراجم لأهميتها وعطائها العلمي في مجالات مختلفة، فمنهم المحدّث ومنهم اللغوي ومنهم الشاعر ونحو ذلك، وكذلك لم يجمعها قرنٌ واحد، فقد تنوّعت تواريخ حياتهم بين القرن الأول والخامس الهجريّ، وتم نشر هذه التراجم في مجلات مختلفة ثم جمعها في هذا الكتاب لوحدة الموضوع.
ولا زال تاريخ شرقيّ الجزيرة مليئاً بالأعلام الذين لهم بصمتهم ولم يُكتب عنهم إلا شذرات من هنا وهناك ويستحقون التوثيق والبحث في تفاصيل حياتهم لما لهم من عطاءٍ.

وختاماً:
أرجو أن يضيف الكتاب معلوماتٍ مهمّة للمعنيين، وتزويدي بالمرئيات لمن يقع الكتاب بين يديه؛ لتلافيها في الأجزاء التالية والتي ستكون على نفس المستوى والفكرة.

السبت، 25 مايو 2019

العقير وأدواره التاريخية - تعريف وملاحظات



اسم الكتاب:
العقير وأدواره التاريخية والتجارية والسياحية
المؤلف: د. سعد بن عبدالرحمن الناجم + أ. خالد بن أحمد الفريدة.
 دار النشر: الغرفة التجارية الصناعية بالأحساء.
الطبعة: الأولى - 2007م
عدد الصفحات: 109
بقلم: عبدالله بن علي الرستم

العرض والتعريف:
يمثل هذا الكتاب حلقة من الحلقات المفقودة في تاريخ الأحساء السياسي والاجتماعي والعسكري، حيث إنّ هناك من كَتَبَ عن العقير إلاّ أنّها قليلة مقارنة بشهرة العقير ومكانته في التاريخ، فهذه الدراسة تعتبر رائعة من حيث وفرة المعلومات، وصياغتها بصيغة سلسلة، وأسلوب جيّد، فقد ركز الباحثان على نقطتين رئيسيتين وأشبعوهما بحثاً، وهما:
-  الدور التاريخي.
-  الدور التجاري.
وهذان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالعامل السياسي لمنطقة الأحساء وشبه الجزيرة العربية، حيث حاول مؤلِّفَا الكتاب أن يُلمَّا بالأحداث التي جَرَتْ في ميناء العقير مع التطرُّق إلى بعض الأسباب لحدوثها، موضحين أهمية ميناء العقير التاريخية والتجارية، معتمدين على المصادر التي تحدثت عن العقير من قريب أو بعيد.
أما الدور السياحي فقط أعطي مساحة صغيرة، ذلك أنّ الجانب السياحي لم يلتفت إليه إلاّ في السنيّ الأخيرة، رغم وجود طريق مؤدٍّ له.
ختاماً: مهما كان الكتاب يحمل بعض الملاحظات إلاّ أنّه يعتبر جهداً يُشكر مؤلِّفاه على إخراجه.

الملاحظات
1. ص15: حبذا لو تم ترتيب المهام المذكورة على شكل نقاط، كالتالي: تدقيق الأوراق الرسمية للبضائع. استيفاء الرسوم الحقوقية ... الخ.، وكذا في الهامش، حيث تم ذكر المصدر ولم تذكر الصفحة.
2. ص16: قال المؤلفان: (... لتسهيل رسو السفن وليعمل كمصد يخفف من التطامها)، ويبدو أن المؤلفان لم يتحققا من استخدام مصطلح (التطامها)، والصحيح (ارتطامها)، ذلك أنّ الارتطام يعني المزاحمة والتراكم (راجع اللسان مادة: رطم)، أما (التطامها) فليس لها معنى في سياق هذه الجملة، وأظنه خطأ مطبعي.
3. ص13-21: في هذه الصفحات جاء وصفٌ لميناء العقير وما يحويه من الجمارك والجوازات والفرضة ومبنى الخان والأمارة والحصن والمسجد وعين الماء وبرج بوزهمول، وكان من المفترض التطرق إليها بالتفصيل قدر الإمكان، وذلك من حيث: تاريخ الإنشاء مثل تاريخ إنشاء الجمارك والجوازات والفرضة ... الخ.
سبب التسمية مثل (الفرضة - برج بوزهمول)
-  حينما ذُكر أنّ الذي أنشأ المسجد هو محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، لم يورد المؤلفان ترجمةً مبسطة لهذا الرجل من حيث تاريخ وفاته على الأقل.
-  لم يتم ذكر المصادر التي اعتمدا عليها كالتواريخ التي تم ذكرها في إنشاء المسجد وإنشاء برج بوزهمول، والفيحاني الذي بنى المسجد ... الخ.
4. بالنسبة للاستشهادات التي استشهد بها المؤلفان كثيرة، إلاّ أنّه لم يتم ذكر اسم المصدر تارة، ورقم الصفحة تارة أخرى، وعلى سبيل المثال:
-  في (ص24): طريق البحرين - عمان، قال المؤلفان:
(أشار إلى ابن خرداذبة إلى هذا الطريق .... الخ).
أقول: أين ذَكَرَ ابن خرداذبة وصف هذا الطريق؟!!
- كذلك في (ص25) حول ذكر كلام أبي الفداء، لم يذكر المؤلفان المصدر الذي اعتمداه أثناء سياقهما الحديث.
- كذلك في (ص35) في موضوع التجارة مع إفريقيا لم يذكر المؤلفان مصادر المعلومات التي استقياها، وربما أحيلهما على بحث نشرته مجلة العرب (ج3، 4 س30 رمضان، شوال سنة 1415هـ) وهو بنظري بحثٌ قيِّم.
- كذلك في (ص59-60): قال المؤلفان: (فقد ورد في إحصائية ذكرها لوريمر أن معدل قوافل ... الخ)
- كذلك في (ص60): وقد حاول العثمانيون في فترة مبكرة ... الخ.
- كذلك في (ص29): تحدث المؤلفان عن تجارة العقير مع الجزيرة العربية، وأن أهل الأحساء والقطيف يقايضون التمر مع أهل الخرج بالحنطة، وذكرا رواية بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله، ساوم مخرمة العبدي وسويد بن قيس على سراويل نُسِجَت في هَجَر ... الخ.
أقول: يا ترى أين مصدر هذه الرواية التاريخية والرواية الحديثية مع تسليمنا بصحة ما ورد، وكذا الصفحة التي تليها (30) حول تجارة العقير مع بلاد العراق وبلاد الشام، لم يتطرّق المؤلفان إلى ذكر المصادر التي استقيا منها المعلومات.
5. 54: يقول المؤلفان حول تسمية الأحساء: (... والتي عرفت منذ القدم بأحساء بني سعد أو أحساء تميم متبعاً أسلوب البرتقاليون الذين أطلقوا اسم البحرين على جزيرة أوال).
أقول: قضية اتباع القرامطة في التسمية أسلوب البرتغاليين، ربما خطأ تاريخي، حيث إنّ البرتغاليين زاروا البحرين أول مرة عام 921هـ - 1515م.
راجع: النفوذ البرتغالي في الخليج العربي في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) ل (نوال حمزة الصيرفي - 1403هـ - مطبوعات دارة الملك عبدالعزيز ص129) فهناك فرقٌ كبير بين الوجود القرمطي (316هـ) وبين النفوذ البرتغالي 921هـ، ثم إن القرينة توضع لتاريخ قديم لحادثة معاصرة، وليس العكس!!
أما حول الجملة (متبعاً أسلوب البرتقاليون) فصياغة الجملة يجب أن تكون على هذا النحو: (متبعاً أسلوب البرتغاليين) لأنها مضاف إليه، وتكتب بالغين بدلاً من القاف.
6. ص74: حول معاهدة العقير، هناك معاهدة أخرى لتوطيد الحدود بين نجد والكويت، لم يتم ذكرها، والتي ذكرها الزركلي في كتابه الأعلام ج5-66.
7. ص89: في هذا الفصل تم وضع عنوان يحمل (حديث الصور) وهو فصلٌ مهمٌ إلا أنّه يفتقد الجانب التعريفي بكل صورة وموقعها من منطقة العقير أو الأحساء.
8. مع روعة هذا الكتاب والاهتمام بإخراجه في حلّة أنيقة، فإنّ بعض الجوانب لم تُعطَ الاهتمام، وتمنيتُ لو أن المؤلِّفَين كتبا عنها أو سلَّطا الضوء عليها، ومنها:
- العقير في الشعر العربي، ذلك أنّ الجانب الأدبي مهم في مثل هذه الأحوال، وتوضيح مدى أهمية العقير قديماً.
ويحضرني بيت من الشعر وهو ما قاله أبوطالب عمّ النبي صلى الله عليه وآله في ديوانه:
وَيَنصُرُهُ اللَهُ الَّذي هُوَ رَبُّهُ = بِأَهلِ العُقَيرِ أَو بِسُكّانِ يَثرِبِ
-  العقير في الكتب الجغرافية والتاريخية، ذلك أنّ هذا الاسم تعدّد لأكثر من موضع، ومنها ما ذكره الزبيدي صاحب كتاب (تاج العروس):
والعُقَيْرُ كزُبَيرٍ: بلد بهَجَرَ عَلَى شاطِئِ البَحْرِ.
والعُقَيْرُ: نَخْلٌ لِبَنِي ذُهْل بنِ شَيْبَانَ باليمَامَةِ.
والعُقَيْرُ: نَخْلٌ لِبَنِي عامِر بنِ صَعْصَعَةَ بِهَا أَيضاً.
وغيرها كثير .. ووضع أمثال هذه الشواهد التاريخية، لتوضيح أنّ اسم العقير تردّد على أكثر من موضع، وحتى لا يقع القارئ في شبهة تاريخية، بين هذا الموضع وغيره من المواضع التي تشبهه بالاسم.
9. أحب الإشارة إلى أنّ الكتاب مع صغر حجمه، كان من المفترض أن يخلو من الأخطاء المطبعية، أو أن تكون قليلة جداً، ولذا فالقارئ النبه سيكون ملتفتاً إليها، ولن تغيب عن ذهنه.
10. هناك دراسات لم يتسنَّ لي الحصول عليها .. فلربما تسنّى لكم الحصول عليها لاستقاء الفائدة منها، وهي:
-  أهمية شبكات الطرق في التنمية السياحية لشاطئ العقير بالمنطقة الشرقية، نجاح بنت مقبل القرعاوي.
-  تقرير أعمال التنقيب بمنطقة الأحساء - العقير شمال غرب أبو زهمول، د. علي بن صالح المغنم، مجلة أطلال، عدد 15، 1420هـ.
-  دراسة بيئية لبعض المجتمعات البنائية على امتداد طريق الهفوف - العقير - المنطقة الشرقية - المملكة العربية السعودية، عبدالمنعم عبدالله إبراهيم الحمام.


نُشر المقال في صحيفة الجزيرة العدد رقم (12673) بتاريخ 24 جمادى الأولى 1428هـ، الموافق (10 يونيو 2007م(

http://www.al-jazirah.com/2007/20070610/wo3.htm

الخميس، 9 مايو 2019

وقعة الحرة - الشيخ فاضل الزاكي


اسم الكتاب: وقعة الحرّة
المؤلف: الشيخ فاضل بن عبدالجليل الزاكي
دار النشر: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي قم + دار الغدير بيروت
تاريخ الطباعة: الطبعة الأولى 1430هـ (2009م)
عدد الصفحات: 539 صفحة

عرض وتعريف: عبدالله بن علي الرستم

التعريف:
ما أحوجنا إلى البحوث الشمولية حول الحدث الواحد خصوصاً إذا كان له صلةٌ بتاريخ الأمة الإسلامية؛ لما في ذلك من أهمية بالغة حول التعرّف على ما يتعلق بالإسلام وأحكامه وأحداثه. ومن تلك الأحداث (وقعة الحرّة) التي حدثت عام 63هـ في المدينة المنوّرة على نازلها آلاف التحية والسلام.
فقد تجشّم الشيخ الزاكي عناء البحث في توثيق الأحداث واستخلاص الفوائد من مصادر شتّى ذات صلة بالموضوع، فكانت إطلالته الأوليّة منصبّة على أسماء المدينة المنورة مع تعريفٍ موجز بها وتوثيق شيء من تاريخها قبل الإسلام مع التعرّض للتعريف بأماكنها المقدّسة وما ورد في فضلها من مصادر المسلمين.

بعد ذلك بدأ بذكر ما يتعلق بصلب البحث عبر ذكره تسلسلاً للأحداث قبل وقعة الحرّة بدءاً مما جرى بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم مروراً بتاريخ الإمام الحسن عليه السلام وأثناء تولّي معاوية زمام الأمور إلى استشهاد الحسين عليه السلام مع توضيحٍ لموقف أهل المدينة من الثورة الحسينية. جاء الفصل الذي يليه على مجريات الأحداث من توجّه وفدٍ من أبناء الصحابة وسكّان المدينة للتأكد مما سمعوه عن يزيد وتجاوزاته، والذي قوبل بحفاوة من الخليفة الشاب مع إجزالٍ في العطاء لهم من قِبَل يزيد لذلك الوفد؛ ليصلَ الوفدُ المدينة ويقرروا خلع يزيد وطرد واليه وبني أميّة من المدينة استعداداً للثورة ضد الحكم الأموي، وقد ذكر المؤلف تفاصيل ذلك بدءاً من وصول جيش الشام الذي يقوده مسلم بن عقبة المرّي أطراف المدينة والتقائه ببني أميّة المطرودين منها، وما جرى بعدها من معركة دامية قُتل فيها جمعٌ كبيرٌ من أهالي المدينة وذلك لخيانة بني حارثة من فتح الطريق للجيش الشامي ويأتوا المسلمين من خلفهم؛ لتبدأ بعدها في اليوم التالي حالة مشينة من استباحة المدينة وهتك أعراض النساء وقتل الأطفال وما استتبعها من سلبٍ ونهبٍ واعتداءٍ على بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كسعيد بن جُبير وجابر بن عبدالله الأنصاري وهتك حرمة المسجد النبوي واستعراضٍ للأسرى وقتل كل من لم يُبايع.


ولم يخفَ على المؤلّف أن يتطرق إلى بعض الدراسات والتحليلات حول ما جرى في وقعة الحرّة من ذكرٍ لجرائم يزيد وأن ذلك له جذوره في بيئته التي عاش فيها وأنه نسخة أخرى لسَلَفِه، وفي ذات الوقت تطرق إلى محاولات بعض المؤرخين في تبرير ذلك بالاعتماد على روايات ضعيفة مثل: رواية غزو القسطنطينية ورواية خير القرون قرني وغيرها - لا تتناسب وما قام به من جرائم بحق المسلمين من قتل الإمام الحسين عليه السلام وترويع سكّان المدينة واستباحتها، ذلك أن بعض المشايعين لبني أمية حاولوا تبرير ذلك وأن تلك الأحداث ليست لها صلة بيزيد وأنها جَرَتْ بدون علمه.

ويسترسل المؤلف في تحليل ما جرى في (وقعة الحرّة) من أسباب النقمة على يزيد والأمويين من أسباب خاصّة وعامّة بأهل المدينة وقبائلها، مع التعرّض لذكر تفاصيل أسباب الهزيمة من عفوية التحرّك وتعدد القيادات والأهواء والفَرْق بين عدد الجيشين وانعدام التنسيق مع الأمصار الأخرى ووجود المثبّطين وخيانة بني حارثة، وأن ما جرى له صلةٌ بما جرى في صدر الإسلام ثأراً لقتلى بدر وما جرى على عثمان بن عفّان.

ولا يفوتُ المؤلف أن يذكر أسماء من صنّف في وقعة الحرّة من المتقدّمين وذكر تاريخها وسبب تسميتها، وكذلك موقف الإمام زين العابدين عليه السلام، وما قيل من شعرٍ بحق هذه الوقعة الدامية؛ لتكون الخاتمة جرد أسماء القتلى وانتماءاتهم القبليّة واختلاف المؤرخين في ذكر العدد بين المبالغة والتقليل. أما ملاحق الكتاب فكانت حول ذكر أقوال الفقهاء حول حدود الحرم المدني وأحكامه والاختلافات بينه والحرم المكي من تحريم الصيد وقطع الشجر ونحو ذلك بناءً على روايات ذكرها ونظر في إسناداتها.
كانت هذه الدراسة بحسب الاستطلاع من أوسع الدراسات حول وقعة الحرّة موثقة بالمصادر ومستوعبة الأحداث بكل تفاصيلها، ولا غنى للاطلاع على دراسات تحليليّة أخرى بمعيّة هذه الدراسة الشاملة التي حاولت توثيق كل ما يتعلق بهذه الواقعة.

السبت، 27 أبريل 2019

أنوار البدرين - عرض وتعريف



بطاقة الكتاب:
اسم الكتاب: أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين
المؤلف: الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي البحراني (ت 1340هـ)
الناشر: مؤسسة الأعلمي بيروت
تاريخ الطبع: الطبعة الأولى 1414هـ (1994م)
عدد الصفحات: 368 صفحة

عرض وتعريف: عبدالله بن علي الرستم

التعريف بالكتاب:
يعد كتاب (أنوار البدرين) من الكتب المهمة في بابها، فهو بحسب اطلاعي أول كتاب تراجمٍ يتناول أعلام إقليم البحرين الكبير (الأحساء والقطيف والبحرين)، حيث قسّم الكتاب إلى ثلاثة أبواب، كلُّ بابٍ من أبواب الكتاب تتصدره مقدمة تاريخية عن المنطقة ثم تراجم أعلامها، بدءاً من البحرين ومروراً بالقطيف وختاماً بالأحساء حرسهنَّ الله تعالى من الشرور والآفات.
ولعل المطّلع على هذا الكتاب يدرك أن المؤلف ذكر معلوماتٍ جمّة، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى الفترة التي تم تصنيفه فيها، حيث إنه في تلك الفترة لم تصدر الموسوعات المهمة في هذا الباب والتي أبرزها: أعيان الشيعة للعلامة السيد محسن الأمين، وطبقات أعلام الشيعة وَ الذريعة إلى تصانيف الشيعة للعلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني، والأعلام لخير الدين الزركلي وغيرها كثير، حيث اعتمد هؤلاء وغيرهم على كتاب (أنوار البدرين) في ذكر أعلام هذه المنطقة مع الإضافات التي أضافها مؤلفوا تلك المصنّفات.
نعم .. حصل بعض النقص والسهو في عدم ذكر كثيرٍ من أعلام الإقليم، باعتبار أن هذه المناطق الثلاث مليئة بالعلماء والشعراء والفقهاء، بيد أن المؤلف فاته ذلك لعدم التقائه بعلماء الأحساء على سبيل المثال إلا القليل منهم، وكانت طريقة تسجيلهم مستخرجة إمّا من المعلومات الحاضرة عنده أو من بعض المصادر التي استقى منها معلوماته ووضعها في مواضعها محل الاقتباس. يضاف إلى ذلك أن الشيخ البلادي رحمه الله بلغ عدد الشخصيات التي أدرجها في هذا الكتاب أكثر من 200 عَلَم من أعلام هذا الإقليم، منهم الفقيه والشاعر والعالم والمحدّث وغير ذلك.
وقد نال الكتاب اهتمام كثيرٍ من الباحثين، حيث قام سماحة الشيخ/ محمد رضا الطبسي بطباعته وهو يعدُّ أول من طبعه في النجف الأشرف، ثم قام بعده حفيد الشيخ البلادي الحاج الأستاذ/ عبدالكريم البلادي (معاصر) بتحقيقه وإصداره في ثلاثة أجزاء، وكتب عنه سماحة الشيخ/ حسن بن موسى الصفّار كتاباً يتناول تفاصيل حياة المؤلف من الولادة وحتى الوفاة، والشيخ/ عبدالعظيم بن أحمد الشيخ، ولا زالت الحاجة ماسّة إلى تسليط الضوء على هذا الكتاب ومؤلّفه بجميع تفاصيله، لما فيه من المعلومات المهمّة المختلفة كالإجازات وأسماء الكتب وبعض الأحداث التي عاصرها. يشار إلى ذلك أن المؤلف ولد في البحرين عام (1274هـ) وتوفي والده في طريقه للحج في رابغ وهو صغير السن ثم انتقلت به والدته إلى القديح بالقطيف، ودرس على خاله العلامة الشيخ أحمد بن صالح بن طعّان البحراني وتزوج بابنته، وأكمل دراسته في النجف الأشرف، وتوفي عام (1340هـ) عن 66 عاماً.
لا أظن هذه السطور تفي بحق العلامة الشيخ البلادي رحمه الله تعالى، إنما هي التفاتة منّي لوقوفي على الكتاب كثيراً.


الأحد، 7 أبريل 2019

رحلة مع ديوان "وابيضت عيناه من الحزن"

رحلة مع ديوان "وابيضّت عيناه من الحزن"
للشاعر الأستاذ/ جلال صادق العلي
بقلم: عبدالله بن علي الرستم

سمعتُ عن الشاعر جلال العلي منذ أكثر من عشرين عاماً، وذلك حينما سمعتُ قصيدته التائية (أنتَ الذي جددتَ فيَّ حياتي = ومسحتَ عن عيني دموعَ أساتي) عبر شريطٍ مسجَّل، والتي ألقاها في محفلٍ كبيرٍ في ذكرى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم، حيثها الانطلاقة الأولى لمتابعة ما تخطه يراعته، وسمعتُ عن ديوانه (صوت العرب) والذي لم أرَه إلا مرّة واحدة عند شاعرٍ آخر، ومرّت السنوات حتى اقتنيتُ له ديوان (الحناجر تموتُ ناطقة) وديوان (مرثية نينوى) ورواية (منفى المنفى) ثم (الصراع على مصر) وأخيراً ديوان شعره (وابيضّت عيناه من الحزن) الصادر عن النادي الأدبي بالرياض لهذا العام 1440هـ، وخلال هذه السنوات لم ألتقِ به أبداً، حتى عن طريق الصُّدفة رغم تكراري على قريته الشامخة (القارة) حرسها الله من كل سوء.
وأستطيع القول من خلال قراءتي لبعض قصائد جلال أنه دعبل وكميتَ زمانه، والغرض من هذا الوصف أن دعبلاً والكميت حَمَلا رسالةً دفعا فيها ثمن رسالتهما، ولا أحصر ذلك في هذين الشاعرين!!؛ بل هناك الكثير ممن حمل رسالة في قصائده، ولكن هكذا تراءى لي من خلال قراءتي لهذا الشاعر الأحسائي، وأنا وإن كنتُ لستُ من نُقّاد الشِّعر إلا أني أحتفظ ببعض قراءاتي القديمة في النقد الشعري فأحببتُ أن أسجّل هذا الوصف عبر قراءتي لشاعر أحسائي معاصر.
في ديوان (وابيضّت عيناه من الحُزن) لا زال جلال يؤكد على عباراتٍ تكاد تكونُ لصيقة مقارنة بأعمالٍ أدبية أخرى، وهذا يعني أنه لا زال يحملُ هذه المصطلحات وما تحويه من معانٍ؛ وما التكرار إلا تأكيداً وليس من لاضمحلال معجمه اللغوي، وهذا التأكيد يأتي عبر صياغات شعرية في قوالب مختلفة تتفجّرُ عبر كلمات مقفّاةٍ وكأن الكون لا يسعه للتعبير عمّا يجول في خلجات نفسه. من المسائل التي يكررها في هذا الديوان التالي:

الحزن والموت:
الحزنُ حالةٌ طبيعية، ترتفع وتيرتها عند أُناس، وتختفي عند آخرين، ففي قصيدته التائية التي أهداها لأبي القاسم الخوئي قال بيتاً من الشعر بما معناه (إني وإن كنتُ في العشرين منتصباً من بؤسنا أرجو دنوّ وفاتي)، ويأتي في هذه القصيدة ليؤكد ما قاله سابقاً:
ما تبقّى من حبل عُمري قصيرٌ = ليس يكفي لرحلة البؤساءِ
ما يعني أن حالةً من الحُزنِ لا زال يعيشها بين جوانحه، وما هذا إلا لوجود نظرةٍ يطمحُ إليها بيد أن بريقها خفَتَ مع الزمن، وربما تشرق شمسُ طموحاته بعد حين.
ويأتي في مطلع قصيدة أخرى ليقول مؤكداً على ما يحمله من غربة داخلية يريد بها الانتقال إلى حياةٍ أخرى:
يا موتُ خذني فما أبقيتَ لي قُربى = بستانُ عمري ذوى من بعدهم جَدْبا
وفي قصيدة (نطفة حزن) كانت هناك فلسفة للحزن باح بها الشاعر، وهي قوله:
غسلتُ بالصبرِ بعض الحزن يا أرقي = وبعضه في جدار القلب قد علقا
شكواي توجعني والصمتُ يخنقني = ولستُ أبصر في الحالين منعتقا
حيث يشير في هذين البيتين أن الطموح مهما بلغَ فإن الصبر مرحلة مهمّة لعشّاق المعالي، وعليهم ألا يكبحوا جُماح ما يصبون إليه من تحقيقه.

الغربة والمنفى:
يؤكد جلال على أنه لا يزال يعيش همّ الغُربة والمنفى علماً أنه لم يتغرّب، بيد أن بعض المليئين طموحاً يعيشون غربةً في أوطانهم؛ لعدم تحقيقِ ما يصبون إليه، ومن ذلك قوله:
وما كان ذنبي أن في الأرض غُربتي = وفي ذروة الآفاق ديني ومذهبي
ويقول:
فجودي على منفاي في الأرض وارفعي = حضيض عثاري في السماءِ وطنّبي
ويقول في بيتٍ آخر:
رُميتُ في الجُبّ لا سيّارة عبرتْ = ولا المقادير ساقت لي به قُدما
حيث في هذا البيت يشير إلى أنه يعيشُ غُربةً في وطنه وبين أحبائه وأقرانه، وما ذلك إلا لوجودِ بعض من يحطم طموحه، وهذا ما استقاه من قصة نبي الله يوسف عليه السلام في الأبيات التي تلي هذا البيت.

السعي للمعالي:
لعل الشعراء الذين لا يهدؤون هم عشّاق معالي الأمور، فالأبيات الشعرية تحكي ما تُكنّه صدورهم، ولو اقتربنا من أولئك الشعراء وسبرنا غور حياتهم لوجدنا الكثير من القضايا التي يأملون تحقيقها، ولذا من عجائب الشعراء أنه بالرغم من وجود مسحةٍ من الحُزن والبؤس في كثيرٍ من أبياتهم، تراهم في جانبٍ آخر يطرقون مسمار المعالي دون التفكير في خلعه، ولا يرضون إلا بتحقيقها وإن خسروا بعض المكاسب، وكأنه كناية عن صبرهم وأنفتهم التي لا يمكن أن تُخلع إلا بخروج الروح، ومن ذلك قول الشاعر:
ستعلو وإن سُدّت عليك المسالكُ = تقدّمْ فلن تثنيك هذي المهالكُ
وسر صعداً فالنجم يرقبُ أوبةً = لخفقِ جناحٍ والدربُ سالكُ
...الخ
ويؤكد في قصيدة (أُعاتب نفسي) على الطموح والسعي للمعالي وإن أخفقت نفسه في تلقّي الدروس، حيث يقول:
بنيتُ قلاعاً من عناد مطامحي = وكنتُ على جرفِ الثرى أرفعُ الأسا
يطير بيوم السعد سربُ مطالبي = فما أنثني حتى أكابده نحسا

الأحساء:
لا يفترُ شاعرٌ أحسائي عن كتابة قصيدة في حبيبته الأحساء ويوثّقها في ديوانه، حيث الأحساء تعني الشيء الكثير عند كل شاعر أحسائي، ومع ذلك فإن جلال مزج الحُزن بالأمل وبالعشق الذي يبدد أحزانه، وما ذلك إلا لقدرة الشاعر في تجاوز هذا الاضطراب، فكلُّ شاعرٍ مهما بلغ حزنه وطموحه وغربته فستبقى نفسه تتوقُ إلى التراب الذي عاش بين حبّات رمله، وخرير مياهه، وتاريخ أسلافه المجيد.

أخيراً:
كانت هذه رحلةٌ سريعةٌ على ديوان الأستاذ/ جلال، وأؤكد أن عهدي بالنقد قديمٌ، إلا أني أحببتُ أن أُسجل هذه الخلجات عبر حروف تتناقلها أعينُ القُرّاء .. وأرجو لشاعرنا التوفيق والسداد.


  مع كتاب (أوهام من مرويات السيرة النبوية) ? عبدالله بن علي الرستم بيانات الكتاب: أوهام من مرويات السيرة النبوية (روايات حديث غدير خُ...