الأحد، 7 أبريل 2019

رحلة مع ديوان "وابيضت عيناه من الحزن"

رحلة مع ديوان "وابيضّت عيناه من الحزن"
للشاعر الأستاذ/ جلال صادق العلي
بقلم: عبدالله بن علي الرستم

سمعتُ عن الشاعر جلال العلي منذ أكثر من عشرين عاماً، وذلك حينما سمعتُ قصيدته التائية (أنتَ الذي جددتَ فيَّ حياتي = ومسحتَ عن عيني دموعَ أساتي) عبر شريطٍ مسجَّل، والتي ألقاها في محفلٍ كبيرٍ في ذكرى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم، حيثها الانطلاقة الأولى لمتابعة ما تخطه يراعته، وسمعتُ عن ديوانه (صوت العرب) والذي لم أرَه إلا مرّة واحدة عند شاعرٍ آخر، ومرّت السنوات حتى اقتنيتُ له ديوان (الحناجر تموتُ ناطقة) وديوان (مرثية نينوى) ورواية (منفى المنفى) ثم (الصراع على مصر) وأخيراً ديوان شعره (وابيضّت عيناه من الحزن) الصادر عن النادي الأدبي بالرياض لهذا العام 1440هـ، وخلال هذه السنوات لم ألتقِ به أبداً، حتى عن طريق الصُّدفة رغم تكراري على قريته الشامخة (القارة) حرسها الله من كل سوء.
وأستطيع القول من خلال قراءتي لبعض قصائد جلال أنه دعبل وكميتَ زمانه، والغرض من هذا الوصف أن دعبلاً والكميت حَمَلا رسالةً دفعا فيها ثمن رسالتهما، ولا أحصر ذلك في هذين الشاعرين!!؛ بل هناك الكثير ممن حمل رسالة في قصائده، ولكن هكذا تراءى لي من خلال قراءتي لهذا الشاعر الأحسائي، وأنا وإن كنتُ لستُ من نُقّاد الشِّعر إلا أني أحتفظ ببعض قراءاتي القديمة في النقد الشعري فأحببتُ أن أسجّل هذا الوصف عبر قراءتي لشاعر أحسائي معاصر.
في ديوان (وابيضّت عيناه من الحُزن) لا زال جلال يؤكد على عباراتٍ تكاد تكونُ لصيقة مقارنة بأعمالٍ أدبية أخرى، وهذا يعني أنه لا زال يحملُ هذه المصطلحات وما تحويه من معانٍ؛ وما التكرار إلا تأكيداً وليس من لاضمحلال معجمه اللغوي، وهذا التأكيد يأتي عبر صياغات شعرية في قوالب مختلفة تتفجّرُ عبر كلمات مقفّاةٍ وكأن الكون لا يسعه للتعبير عمّا يجول في خلجات نفسه. من المسائل التي يكررها في هذا الديوان التالي:

الحزن والموت:
الحزنُ حالةٌ طبيعية، ترتفع وتيرتها عند أُناس، وتختفي عند آخرين، ففي قصيدته التائية التي أهداها لأبي القاسم الخوئي قال بيتاً من الشعر بما معناه (إني وإن كنتُ في العشرين منتصباً من بؤسنا أرجو دنوّ وفاتي)، ويأتي في هذه القصيدة ليؤكد ما قاله سابقاً:
ما تبقّى من حبل عُمري قصيرٌ = ليس يكفي لرحلة البؤساءِ
ما يعني أن حالةً من الحُزنِ لا زال يعيشها بين جوانحه، وما هذا إلا لوجود نظرةٍ يطمحُ إليها بيد أن بريقها خفَتَ مع الزمن، وربما تشرق شمسُ طموحاته بعد حين.
ويأتي في مطلع قصيدة أخرى ليقول مؤكداً على ما يحمله من غربة داخلية يريد بها الانتقال إلى حياةٍ أخرى:
يا موتُ خذني فما أبقيتَ لي قُربى = بستانُ عمري ذوى من بعدهم جَدْبا
وفي قصيدة (نطفة حزن) كانت هناك فلسفة للحزن باح بها الشاعر، وهي قوله:
غسلتُ بالصبرِ بعض الحزن يا أرقي = وبعضه في جدار القلب قد علقا
شكواي توجعني والصمتُ يخنقني = ولستُ أبصر في الحالين منعتقا
حيث يشير في هذين البيتين أن الطموح مهما بلغَ فإن الصبر مرحلة مهمّة لعشّاق المعالي، وعليهم ألا يكبحوا جُماح ما يصبون إليه من تحقيقه.

الغربة والمنفى:
يؤكد جلال على أنه لا يزال يعيش همّ الغُربة والمنفى علماً أنه لم يتغرّب، بيد أن بعض المليئين طموحاً يعيشون غربةً في أوطانهم؛ لعدم تحقيقِ ما يصبون إليه، ومن ذلك قوله:
وما كان ذنبي أن في الأرض غُربتي = وفي ذروة الآفاق ديني ومذهبي
ويقول:
فجودي على منفاي في الأرض وارفعي = حضيض عثاري في السماءِ وطنّبي
ويقول في بيتٍ آخر:
رُميتُ في الجُبّ لا سيّارة عبرتْ = ولا المقادير ساقت لي به قُدما
حيث في هذا البيت يشير إلى أنه يعيشُ غُربةً في وطنه وبين أحبائه وأقرانه، وما ذلك إلا لوجودِ بعض من يحطم طموحه، وهذا ما استقاه من قصة نبي الله يوسف عليه السلام في الأبيات التي تلي هذا البيت.

السعي للمعالي:
لعل الشعراء الذين لا يهدؤون هم عشّاق معالي الأمور، فالأبيات الشعرية تحكي ما تُكنّه صدورهم، ولو اقتربنا من أولئك الشعراء وسبرنا غور حياتهم لوجدنا الكثير من القضايا التي يأملون تحقيقها، ولذا من عجائب الشعراء أنه بالرغم من وجود مسحةٍ من الحُزن والبؤس في كثيرٍ من أبياتهم، تراهم في جانبٍ آخر يطرقون مسمار المعالي دون التفكير في خلعه، ولا يرضون إلا بتحقيقها وإن خسروا بعض المكاسب، وكأنه كناية عن صبرهم وأنفتهم التي لا يمكن أن تُخلع إلا بخروج الروح، ومن ذلك قول الشاعر:
ستعلو وإن سُدّت عليك المسالكُ = تقدّمْ فلن تثنيك هذي المهالكُ
وسر صعداً فالنجم يرقبُ أوبةً = لخفقِ جناحٍ والدربُ سالكُ
...الخ
ويؤكد في قصيدة (أُعاتب نفسي) على الطموح والسعي للمعالي وإن أخفقت نفسه في تلقّي الدروس، حيث يقول:
بنيتُ قلاعاً من عناد مطامحي = وكنتُ على جرفِ الثرى أرفعُ الأسا
يطير بيوم السعد سربُ مطالبي = فما أنثني حتى أكابده نحسا

الأحساء:
لا يفترُ شاعرٌ أحسائي عن كتابة قصيدة في حبيبته الأحساء ويوثّقها في ديوانه، حيث الأحساء تعني الشيء الكثير عند كل شاعر أحسائي، ومع ذلك فإن جلال مزج الحُزن بالأمل وبالعشق الذي يبدد أحزانه، وما ذلك إلا لقدرة الشاعر في تجاوز هذا الاضطراب، فكلُّ شاعرٍ مهما بلغ حزنه وطموحه وغربته فستبقى نفسه تتوقُ إلى التراب الذي عاش بين حبّات رمله، وخرير مياهه، وتاريخ أسلافه المجيد.

أخيراً:
كانت هذه رحلةٌ سريعةٌ على ديوان الأستاذ/ جلال، وأؤكد أن عهدي بالنقد قديمٌ، إلا أني أحببتُ أن أُسجل هذه الخلجات عبر حروف تتناقلها أعينُ القُرّاء .. وأرجو لشاعرنا التوفيق والسداد.


الخميس، 7 مارس 2019

الضيافة



الضيافة
بقلم: عبدالله بن علي الرستم

يُعد التواصل بين البشر سمة مهمّة في حياتهم بشكل عام، وهي من صفات الأنبياء والصالحين الذين يُقرون ضيوفهم بما لديهم، وقد حثّ صلى الله عليه وآله وسلّم على إكرام الضيف، ونهى عن الإعراض عنه في روايات لا تُحصى. إلا أن حالةً تنتاب بعض المجتمعات في الإعراض عن استقبال الضيف وعلى نقيضها عند أُناس آخرين حيث الإكرام والاستقبال والترحيب، وفي كلتا الحالتين أسباب ناشئة من ظروف كل مجتمع.
* من أسباب الإقدام على استقبال الضيف والترحيب به:
- البحث عن الأجر والمثوبة من الله عز وجل.
- توثيق الصلة بين الضيف والمُضيِّف.
- السير على سنن الأنبياء والمرسلين في حسن استقبال الضيف وإكرامه.
- وغيرها من الأسباب الداعية إلى القيام بهذا العمل الجميل.

* أما من أسباب عدم استقبال الضيف:
- المجيء في أوقات غير مناسبة، وبدون موعد مُسبق.
- الخوف من أن ما يُقدّم للضيف عُرضة للنقد والتقصير.
- التكلّف والمبالغة اللَّذَين صاحبا مجتمعاتٍ بأسرها.
وغيرها من الأسباب التي تفرضها بعض العادات والتقاليد.

والحل لأسباب الإعراض، هو: التوسط والجود بما هو موجود، فعلى الضيف أن يرضى بما يُقدّم له من إحسان وحسن استقبال، والنظر في أن إكرام الضيف خاضعٌ للعبادة والتقيّد بسنن الأنبياء، وليس خاضعٌ للعادات والتقاليد التي منها التكلّف والنظر في الآنية التي تُقدّم فيها الوجبة ونحو ذلك، ولعل شواهد كثيرة من القصص القصيرة والطويلة التي سمعتها من أصدقاء أعرضوا عن استقبال ضيوفهم وقاموا بتصرّفاتٍ كثيرة حتى لا يستقبلوا ذلك الضيف الذي أصبح عليهم كما يُعبِّرون عنه: ثقيلاً على جيوبهم وعلى أنفسهم للأسباب التي ذكرتها وأسباب أخرى.

فيا ترى متى نعي أن الضيافة عبادة؟!، ثم إنه على الضيف أن يحترم الأصول العامة للضيافة التي ذكرتها المصنّفات المأخوذة من أحاديث سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، كقوله: "إذا أراد الله بقوم خيرا أهدى إليهم هدية، قالوا: يا رسول الله وما تلك الهديةُ؟ قال الضيف ينزل برزقِهِ ويرتحلُ وقد غَفَرَ اللهُ لأهلِ المنزلِ"، فإذا كان صلى الله عليه وآله وسلّم يبشّر في رواية أُخرى أن الضيف طريقٌ للجنّة، فما حالنا نحنُ في التكلّف وقد نُهي عنه؟ أو أن نكلّف صاحب الاستضافة ما لا يُطيق!!.
ومجتمعنا العربي المسلم مجتمع مضياف ولله الحمد، بيد أنه حريٌ بنا التناصح بعدم التكلّف المبالغ فيه الذي لا يؤثر على تقدير الضيف سواءً كان جاراً أو صديقاً أو غريباً.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ).

نسألكم الدعاء.

الجمعة، 15 فبراير 2019

وظيفة النقد



وظيفة النقد
بقلم: عبدالله بن علي الرستم

يذهب كثيرٌ من البشر أن النقد وظيفة مهمة في عالم الثقافة اليوم، وبعض يؤصِّل لها تاريخياً من أن النقد حالة طبيعية موجودة في كثيرٍ من المجتمعات البشرية القديمة، حيث إنه النقد يساهم في معالجة الثغرات الموجودة في محطات الحياة المختلفة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية وغير ذلك، ويختلفُ كثيرٌ في تفاصيل النقد، مثل:
- يجب على الناقد أن يكون متخصصاً في المجال الذي ينتقده.
- ما هي الغاية من نقد المسألة الفلانية؟.
- لماذا فلانٌ شخصية نقدية؟!.
- النقد تثير المشاغبين والمتربصين (خصوصاً إذا كانت المسألة خلافية بين مذاهب أو ديانات).
- ...الخ.
ومن يراقب الحالة المرسومة في عالم وسائل الاتصال الحديثة، يرى حالةً من النقد المختلف، أي: هناك نقدٌ بنّاء، وهناك نقدٌ غير بنّاء، ونقد من متخصص، ونقدٌ من غير متخصص، نقد يسعى إلى إصلاح، ونقدٌ من أجل النقد ...الخ.

وإزاء هذه الحالة يرى متابعون أن هذه حالة طبيعية، وآخرون يرفضون هذه الحالة لما فيها من العشوائية واللامبالاة. لذا من وجهة نظري مهما كانت الحالة ومهما كانت الرؤى والغايات علينا أن نؤمن أن النقد حالة طبيعية موجودة في الإنسان، وعلينا جميعاً أن نوظّف النقد وفق قواعد مرسومة تساهم في معالجة الخلل، وسدِّ الثغرات، لا أن نطمسَ تلك العيوب بحجّة أن الناقد غير متخصص أو نحاكم الناقد بنوايانا التي في كثيرٍ منها لم يُفصح ذلك الناقد عن غاياته ومقاصده!!. نعم .. حريٌ بالناقد أن يتّسم بالجدّية والحيادية والعمق، وأن يترفّع عن الهجوم والكلمات المبتذلة وبنود أخرى حريٌ توافرها في الناقد، والأمر الأهم أن نساهم في توجيه بوصلة النقد نحو الأفضل بدلاً من تكميم الأفواه بعبارات ليست من صميم تربيتنا الإسلاميّة.
تبقى مسألة أطرق بابها في هذه العُجالة، وهي: هل يجب على الناقد أن يأتي بحلٍّ بديلٍ في المسألة محل النقاش والنقد، أم لا؟!
في مضمون هذا السؤال ذهب الناس مذاهب مختلفة، أبرز تلك المذاهب، أمران هما:
1- وظيفة الناقد أن يأتي بحلٍ بديل.
2- ليس من وظيفة الناقد الإتيان ببديل.
وتحت هذين الأمرين تفريعاتٌ مختلفة؛ لأنهما ينضويان على آراء مختلفة وتاريخ لهذين الأمرين/المذهبين، صحيح أنّي أميل إلى أن وظيفة الناقد الإتيان ببديل؛ لأن البديل يأتي من استيعاب المسألة عند الناقد بحيث تمكّنه أدواته من الإتيان ببديل لما يمتلكه من خبرة في المسألة محل النقد ولو على سبيل التنظير، وإلا كان نقده في مطاوي النسيان لافتقاده إلى مسألة الإتيان ببديل، وربما أتنازل عن هذا الرأي في حال صحّت وجهة النظر الأخرى أو غيرها، ولكن التصريح بالرأي جزءٌ من التجربة في ذات المجال وإن كانت التجربة قليلة.
خــتامــاً:
حريٌ بالناقد أن يبني ثقافته على شمولية واستيعاب في المسألة المعنيّة قبل أن يُسطِّرَ شيئاً لا يدرك تفريعاته ولا توابعه.

الأحد، 9 ديسمبر 2018

العمامة - عرض وتعريف


اسم الكتاب: العِــمَــامَــــة
المؤلف: سعود بن عبدالله الرُّومي
الناشر: المهرجان الوطني للتراث والثقافة – الرياض
تاريخ النشر: الطبعة الأولى – 1435هـ (2014م)
عدد الصفحات: 135
المقاس: 22 × 16 سم
عرض وتعريف: عبدالله بن علي الرستم

التعريف بالكتاب:
يتطرق المؤلف إلى لباس (العِمامة) الذي يُعد من التراث العربي والإسلامي، ولما لها من مكانةٍ خاصة في ذلك يشرع المؤلف بتعريف العِمامة عند اللغوين القدماء والمعاصرين والتي تعني: اللباس الذي يُلاث على الرأس تكويراً، وجمعها: عمائِم، واستشهد بالأثر القائل: (العمائم تيجان العرب)، وتطرق إلى فوائدها الكثيرة مستشهداً بقول الفرزدق والجاحظ في هذا الباب، ولا يخفى على المؤلف أن يُعطي لمحة تاريخية مما ذكره الرحّالة والمؤرخون بشكل مقتضب، وكذلك اهتمام المستشرقين بذكرها في رحلاتهم ومذكراتهم الشخصية، أمثال دوزي وَ ادوارد لين، ومن طرائف ما استشهد به المؤلف قصة ذكرها ادوارد لين تُبيّن مكانة العمامة، وهي: (رووا أن عالماً سقط من فوق حِماره في شارع من شوارع المدينة، فتدحرجت عمامته بعيداً عنه، فتجمّع المارّون وأخذوا يجرون وراء العِمامة صائحين: ارفعوا تاج الإسلام، ارفعوا تاج الإسلام، بينما كان العالِم المسكين طريح الأرض يناديهم مغتاظاً: أنهِضوا أولاً شيخ الإسلام).
 

 واللطيف في ذلك أن للعمامة عدّة أسماء بناءً على وضعها، ولونها، ولابسها، فقد ذكر المؤلف عدة أسماءٍ لها، وأنواعها، كما أنه أشار إلى أن لكل طبقةٍ عمامة يُعرف لابسها، فاستشهد بقول الجاحظ: بأن للخلفاء عِمَّة، وللفقهاء عِمَّة، وللأعراب عِمَّة، وللروم والنصارى عِمَّة ...الخ. وللعمامة كيفية في لبسها، كالسدل والإرخاء والاعتجار  والاحتناك وغير ذلك، وقد استمرّ لبس العمامة إلى زماننا هذا، مع ابتعاد عنها في بعض المناطق العربية حيث حلّ لباسٌ آخر، ولكل منطقة طريقة، وهي كما ذكر الجاحظ آنفاً، وأضاف المؤلف أن لكل لونٍ من ألوان العمائم معنىً، ومن ضمن ما استشهد به العمامة الخضراء، التي روي أن رسول الله صلى الله عليه وآلهِ وسَلَّم لبس عمامةً خضراء، ويشير المؤلف أن أوّل ظهور للعمامة الخضراء كان في عهد المأمون سنة 201 هجرية، حينما أعطى ولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام كشعارٍ للعلويين تقرباً من العلويين، والحال ذاته استمر إلى العصر المملوكي في مصر والشام حينما أمر السلطان شعبان بن حسن أن يجعل اللون الأخضر شعاراً لعمائم العلويين (الأشراف) تعظيماً لقدرهم، في حين إن بعض البلدان لا تعير اهتماماً للألوان، مثل: أفغانستان وباكستان، فهم يلبسون العمائم السوداء والخضراء ولا يُنسبون إلى النبي صلى الله عليه وآلهِ وسَلَّم كما في بعض الحواضر العربية والفارسيّة وغيرهما التي تعني العِمَّة الخضراء والسوداء الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآلهِ وسَلَّم.

ولا يفوت المؤلف تسليط الضوء على عمائم النساء، التي في بداية أمرها لم تكن تلبس العمامة، إلا بعد فترة زمنية طويلة، حيث كان لهن عمائم خاصّة بهنّ، وأنه شوهد في أنطاكية أن في عمائم النساء اختلافٌ تُعرف بعضهن بها من كثرة أولادها وقلّتهم من حيث الحجم، بينما في مصرَ عمائم النساء لا تختلف عن عمائم الرجال.
وتحوّلت العمامة إلى تراثٍ عربيٍّ يحافظون عليه، ولكل مناسبة لونٌ وحجمٌ وقماشٌ مختلفٌ، وكذلك بحسب الأجواء الحارة والباردة أو السهول والبوادي والصحاري، ونظراً لما للعمامة من أهمية فقد اعتنى المصنّفون بتأليف كتبٍ فيها، مثل: (صوب الغمامة في إرسال طرف العمامة)، وَ (أزهار الكمامة في أخبار العمامة) وغيرها كثير من المصنّفات في هذا الشأن. ثم إن العمامة تحوّلت بفعل الزمن أنها خاصّة برجال الدِّين بينما العامّة من الناس توجّهوا إلى لبس العقال والكوفية أو الطربوش وغيرها من الملابس التي حلّت محلّها.

يتطرق المؤلف استطراداً إلى عادات القبائل وأعرافهم، وأن في العراق مثلاً يصل إلى حد القتل أو العقوبة القاسية لما لها من رمزيّة خاصة، ولذا فإن إسقاط العمامة يُعد إهانة، وانتقل الحال إلى العقال الذي يحتلُّ ذات الرمزية للعمامة، بحيث يبعث ذلك في نفس صاحبها على الغضب والألم حال إنزاله من قبل شخصٍ آخر حال حصول شجار أو سوء تفاهم، والحال ليس في العراق فحسب .. بل العمامة السيخية تلعب دوراً لا يقل أهمية عند المسلمين وأنها واجبةٌ على كل بالغ.


وقد اعتنى السلفُ بذكر ما يتعلق بالعمامة، ومنها ذكرهم صفة عمامة رسول الله صلى الله عليه وآلهِ وسَلَّم، وذكروا ما يتعلق بها من أحكام وفوائد وأدعية، وأن بعضهم يُكرم ضيفه بإلباسه عمامته، كما ورد أن النبي صلى الله عليه وآلهِ وسَلَّم كانت له عمامة اسمها السحاب ألبسها علياً عليه السلام، فكان الصحابة يقولون: جاء عليٌ في السحاب.
تتجلى أهمية العمامة وتتبع المؤلف في ذكر كل ما يتعلق بها، أنه أفرد باباً عن (رؤيا العمامة لدى المفسِّرين)، فقد تطرق إلى ذكر قول أربعة من المفسّرين كابن سيرين والنابلسي وغيرهما. وأكد في هذا الباب أن العمامة عند الجاهليين بمثابة التاج عند
غيرهم من الأمم، وكانوا يُعلون شأنها ويرفعون قدرها.

تطرق المؤلف بعد ذلك إلى أنواع العمائم في الأمم والدول، كالعمامة في العصور الأموية والعباسية ولدى المماليك، ثم عرّج على العمائم في العصر الحاضر واستخدامها في المملكة العربية السعودية وعمان والسودان وغيرها من البلاد، مع ذكر ألوانها وأنواعها.

* مما استشهد به المؤلف حول العِمامة قول أبي الأسود الدؤلي حينما سُئل عن فوائدها، أجاب:
جُنَّةٌ في الحرب، ومَكَنَّةٌ في الحرّ، ومدفأةٌ في القرّ، ووقارٌ في النديّ، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة.

* ومما جاء شعراً في العِمامة، قول الفرزدق:
إذا مالكٌ ألقى العِمامةَ فاحذروا = بوادرَ كفّي مالكٍ حين يغضبُ
فإنهما إن يظلماك ففيهما = نكالٌ لِعُريانِ العذابِ عصبصبُ

ختاماً:
يبقى هذا الكتاب التفاتة جميلة من مؤلّفه، حيث من خلال هذه الأوراق قدّم معلوماتٍ ثريّة حول ما يتعلق بالعِمامة، مع ذكر العادات والتقاليد في لبسها وما تعنيه، داعماً ذلك بالصور وبعض الأبيات الشعرية المرتبطة بها.





الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

ثقافة المجلات



ثقافة المجلات


بقلم: عبدالله بن علي الرستم

تعد المجلات (الأسبوعية، الشهرية، الفصلية، نصف السنوية، السنوية) بجميع توجهاتها إحدى منابع الثقافة في العصر الحديث، ولم أقرأ ذات يوم عن تاريخ نشوء أول مجلّة ربما لقصر اطّلاعي، فذات يوم وأنا أطالع مكتبتي الصغيرة إلى ذلك الكم من المجلات التي حرصت على اقتنائها والتي تبلغ أكثر من (80) عنواناً لمجلة متنوعة في فروع الثقافة والمعرفة، ازدحمت  مجموعة من الأسئلة في عقلي، ومنها هذا السؤال:
هل المجلة تشكل ثقافة لدى القارئ؟!
في الوهلة الأولى أستطيع الجزم أن ما يُكتب في تلك المجلات من أبحاث ومقالات، يشكّل البذرة الأولى لأفكار الكاتب، والتي عَصَرَ فيها أفكاره ونشرها متحمّلاً عِلّات ذلك البحث ومستعداً للنقد، حيث وظيفة المجلة المحاولة في تنشيط الحراك الثقافي في أي مجتمع.
إضافة إلى ذلك وصول المجلة إلى أكبر عدد ممكن من القُرّاء؛ وذلك لاحتوائها على مجموعة أقلام وأفكار مختلفة، وهو ما يعرّفك على بدايات الكتابة لدى بعض الكتّاب الذين ينبغي التعرّف عليهم، ولذا حرصتُ على اقتناء بعضها، والبعض الآخر سجّلتُ اشتراكاً فيها لتصلني عن طريق البريد، والاشتراك يطمئنني على وصول المجلة حال النِّسيان.
ويبقى في هذا الصدد أن لكل مجلّة توجه ما، فهناك المجلة العلمية، والثقافية، واللغوية، والتراثية، والفقهية، والفلسفية ...الخ، وهذا التنوّع في المجلات يشكل إثراء نوعياً لدى القارئ إذا ما استمر على اقتناء وقراءة هذه المجلات المتنوعة.
وهذه بعض من قائمة المجلات المهمّة التي لدي:
1- مجلة العصور (تصدر في لندن) آثارية تاريخية.
2- الاستشراق (تصدر في بغداد).
3- عالم المخطوطات والنوادر (تصدر في الرياض).
4- تراثنا (تصدر في بيروت) وهي تُعنى بتراث آل البيت عليهم السلام.
5- مجلة كلية الدعوة الإسلامية (تصدر في ليبيا) ثقافية إسلامية متنوعة.
6- مجلة رسالة التقريب (تصدر في طهران) تعنى بقضايا التقريب بين المذاهب الإسلامية.
7- مجلة المحجة (تصدر في بيروت) تعنى بفلسفة الدين.
8- مجلة ألباب (تصدر في المغرب) تعنى بالدين والأخلاق.
9- الموسم (تصدر في هولندا).
10- مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية (تصدر في الكويت).
11- مجلة العَرَب (تصدر في الرياض).
12- مجلة مركز دراسات وأبحاث المدينة المنوَّرة (تصدر في المدينة المنوّرة).
13- مجلة معهد المخطوطات العربية (تصدر في القاهرة).
14- مجلة الإصلاح الحسيني (تصدر في كربلاء) تُعنى بالنهضة الحسينية والدراسات الدينية.وغيرها كثير. 
أرجو لكم قراءة ممتعة مع المجلات أيّاً كانت توجهاتها.

الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

موكب الأحزان - الشيخ/ جعفر المهاجر


الكتاب: موكب الأحزان (سبايا كربلاء) خريطة الطريق.
المؤلف: الشيخ الدكتور/ جعفر المهاجر
الناشر: دار بهاء الدين العاملي
التاريخ: الطبعة الأولى – 2011م
عدد الصفحات: 80 صفحة

التعريف بقلم: عبدالله بن علي الرستم

عرض وتعريف:
من يقرأ كتابات الشيخ الدكتور/ جعفر المهاجر يُدرك أنه يقرأ لباحث يحملُ مسؤولية الكلمة وإن اختلفتَ معه، فقلّما تجدُ باحثاً ينطلق من قراءات مكثّفة ليُنتج لنا في كتاباته الكثير من التساؤلات التي تدعو إلى البحث في العمق التاريخي بوجود أدوات مهمّة لكل حدثٍ.
وهذا الكتاب ذي الحجم الصغير، فيه تساؤلات مهمّة، وأحداث أكثر أهمية بحاجة إلى قلمٍ يرصد الأحداث عن كثب ويحفر في العمق التاريخي ليقدّم مادة مهمة من مواد التاريخ الشيعي. فهذا الكتاب يرصد خريطة الطريق لموكب الأحزان الذي أُثكل برجالاته في كربلاء دفاعاً عن القيم والمبادئ الإسلاميّة بقيادة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الحسين بن علي عليه السلام، وينطلق الشيخ المهاجر في هذا الرصد من مصدرٍ يراه مهمّاً لشرح خريطة طريق موكب الأحزان، ذلك المصدر يعود إلى نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الهجريين ذلك هو أبو الحسن علي بن أبي بكر الهَرَوي (ت 611 هـ) وكتابه الفريد (الإشارات إلى معرفة الزيارات)، والذي يرى المهاجر أن هذا الكتاب التفاتة جديرة بالعناية لم يسبق أن خُصص لهذا الأمر كتاباً مستقلاً له في ذلك الزمن.
فقد أخذ المهاجر من هذا المصدر ما يرشده إلى إشادة الأبنية والنُّصُب لطريق موكب الأحزان، الذي انطلق من الكوفة إلى الشام عبر محطات مختلفة، والتي يتوقف فيها الموكب الحزين لغرض الاستراحة ونحو ذلك، والتي يصل تعداد تلك المشاهد إلى 8 مشاهد وتاسعها أدرجه المهاجر تتمةً لها، فقد استخرج المؤلف المشاهد وسمّاها وأضاف لها بعض المعلومات التي تشير إلى وقوف الركب الحزين عندها، وهي:
1- مشهد/مسجد الحنّانة.
2- مشهد الموصل.
3- مشاهد نصيبين.
4- مشاهد بالس/ مسكنة.
5- مشاهد "جبل جوشن".
6- مشهد حماه.
7- مشهد حمص.
8- مشهد بعلبك.
9- مشهد الرأس ومشهد زين العابدين عليه السلام.
ويشير المؤلف المهاجِر في ص31 أن الشيخ علي الطنطاوي في كتابه (الجامع الأموي في دمشق) أنه لم يذكر مشهد زين العابدين عليه السلام الواقع في الجامع الأموي ولم يأتِ به على ذكر. كذلك أضاف في ص27 أن مشهد بعلبك لم يذكره الهَروي وأضافه تتمة لطريق الموكب الحزين.
يناقش الشيخ المهاجر الدلالات والمغازي من إنشاء تلك المشاهد، فهو يذكر معلوماتٍ عن سبب تغيّر أسماء بعض المشاهد، وأن بعضها تحوّل إلى مسجدٍ، وغيرها كان يقع في طرقٍ بعيدة عن المُدن والتجمّعات البشرية؛ ذلك أن قوّاد الموكب يتحاشون الدخول في التجمّعات البشرية خوفاً من نقمة الناس عليهم، نتيجة ما فعلوه بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، من قتلٍ وقطع رؤوس وتسميتهم بالخوارج وغير ذلك من الأسباب التي تدعو إلى نقمة النّاس على بني أميّة. ولا يفوت الشيخ المهاجر أن يقف على المشاهد بنفسه كما ذكر في سطور كتابه، وهذا ما جعله يعتمد كتاب الهَرَوي الذي كان رحّالةً سجّل مرئياته في كتابه آنف الذكر، ويرى كذلك المؤلف أن المناطق التي أنشأت النُّصُب كانت ذات ميول شيعية، وبعضها صحيح التشيّع، وأشار إلى أن تفصيلات وأدلّة ما يقوله في كتابه (التأسيس لتاريخ الشيعة في لبنان وسورية)، وقد أورد بعضاً من الأدلّة التي يذهب إليها في كتابه هذا.
أما حول فكرة إنشاء النُّصُب يرى أنها جاءت بشكل تدريجي، حيث توضع علامة مكان كل محطة وقف فيها الموكب الحزين، إما لوجود نقطة من دم الإمام الحسين عليه السلام على صخرة، أو سقطٌ لامرأة كانت في الموكب، أو لأسباب أخرى ذكرها في سطور كتابه، ثم يعود أولئك الناس المحبون لأهل البيت عليهم السلام يطوّرون النصب إلى مشهدٍ ونحو ذلك حتى يتحوّل بفعل الزمن إلى مسجدٍ أو يبقى على حاله، فبعض تلك المشاهد تم تزييف اسمه بفعل الانتماءات السياسية على مرّ القرون. ويرى أن التاريخ أعوراً حيث سجّل أحداث السلاطين وترك أفعال الناس الذين يتحرّكون ويتصرّفون بتلقائيتهم تجاه الأحداث، ودليله أن المؤرخين لا يذكرون شيئاً عن منشئي هذه المشاهد.
من يقرأ كتابات الشيخ المهاجر سيرى أنه لا يخفي قناعاته عن القارئ، ففي هذا الكتاب أشار إشارات بسيطة حول بعض الأمور التي أخذت نقاشاً في الأوساط الشعبية والعلمية، ومنها: أنه يرى أن التي خطبت في الكوفة مع السيدة زينب عليها السلام إنما هي أختها سُكينة بنت علي وليست سُكينة بنت الحُسين، في حين أنه يغفل أَوْ لا يتطرق إلى ذكر سُكينة بنت الحسين!! وكذلك يرى أن لقاءً حصل بين جابر بن عبدالله الأنصاري والإمام زين العابدين عليه السلام، لكنه لا يوافق التاريخ المعروف بالعشرين من شهر صفر والمسمّى بيوم الأربعين، بل ينفي ذلك بضرسٍ قاطع، حيث الموكب الحزين لا يسعفه الوقت أن يقطع كل تلك الأماكن والمسافات في غضون أربعين يوماً، فهذه إشارات يتطرق لها عَرَضاً لخروجها عن متن الكتاب؛ إلا أنها تثير التساؤل عند القارئ.
هناك أشياء كثيرة تضمّنها الكتاب، والذي يحتاج إلى قراءة هادئة لما يتضمّنه من معلومات ثريّة كثراء كاتبها في كتاباته.

الأحد، 28 أكتوبر 2018

أويس القرني - للشيخ أحمد العبيدان


الكتاب: أويس القَرَنِي .. حقيقة تاريخية
المؤلف: أحمد بن حسين العبيدان
الناشر: مكتبة فدك – قم
تاريخ الطبع: الطبعة الأولى – 1427هـ (2006م)
عدد الصفحات: 232 صفحة

عرض وتعريف: عبدالله بن علي الرستم

التعريف بالكتاب:
كثيرة هي الشخصيات المغيّبة عن الثقافة العامة والمغمورة في بطون الكتب؛ وذلك لأسباب مختلفة قد تكون لها تبريرات وقد لا يوجد هناك تبريرٌ للتغييب، بيد أن وجود بعض الأقلام الفاعلة في توثيق ما يستحق التوثيق من سير العظماء من الصحابة والتابعين أمرٌ لا يمكن إنكاره، فجزى الله العاملين في هذا الميدان، وأعان الله المتحمّسين لذلك في إنهاء ما بدؤوه. وما شخصية أُويس بن عامر القَرني ببعيدة عن هذه الأمور، فمن تعرَّف عليها اكتشفها، ومن جهلها فقد يكون ضيّع بعضاً من فوائد سيرته العطرة، والمليئة بالعطاء.
يتناول المؤلف العُبيدان سيرة أُويَس من جميع جوانبها عبر منهجية اختطّها لكتابه هذا، فقد بذل جهداً كبيراً في توثيق كل ما يتعلق بهذه الشخصية المغمورة، فقد تناولت الدراسة اسم المترجَم له والاختلاف الذي وقع في اسمه أصحاب كتب التراجم، وكذا طريقة إسلامه، وصفاته وزهده، وأقوال المؤرخين القدماء وبعض المعاصرين في حقه، وغيرها من الجوانب التي استوعبت الشخصية بجميع محطّات حياتها.
والجميل أن المؤلّف وضع نصوصاً كثيرة، القادحة والمادحة لأُويس، فإنه لم يكتفِ أن يذكر كل النصوص مع تكرارها وله تبريره في ذلك، إلا أن تركيزه على فضائل هذا التابعي الجليل ماثلة أمامه، فهو – أويس – ممن عاصر زمن النبي صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بيد أن الظروف لم تسعفه لملاقاته؛ لانشغاله بخدمة أُمّه، ومع ذلك فإن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد أبلغ أصحابه بصفات أويس وأن يبلغوه السلام وأنه خير التابعين وغيرها من الفضائل التي اتّسم بها أويس رضي الله عنه.
نعم .. كان أويس شخصية في قمّة الروعة، لما يحمله من سماتٍ مختلفة، كالتواضع والأخلاق والتقوى والابتعاد عن الشُّهرة، والانزواء عن الناس، والتقائه ببعض من كان يبحث عنه كَـهَرم بن حيّان العبدي الذي كان شخصية مماثلة له في الزهد والتقوى.
أتت غيرة المؤلف في الإقدام على هذا العمل لما قرأه من إجحاف وتناول سطحـــي لسيرة أويس، ولذا يرى أن تلك التلفيقات في شخصيّة أويس والتحجيم لها صناعة أمويّة، مما حدى ببعض مَن ذكره مِنَ المتقدمين أنه لم يُقتل مع أمير المؤمنين عليه السلام في صفِّين، فتارة وضعوا قبره في إحدى جبال مكّة، وتارة في طريق عودته من معركة نهاوند، وتارة غير ذلك، كل ذلك ابتعاداً عن أن يكون من أتباع أمير المؤمنين عليه السلام الذي يظنُّ المؤلف أن أُويساً أسلم على يدي الأمير عليه السلام حينما بُعث إلى اليمن وقبل انصرافه للحج مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في حجة الوداع.
بل أنكره بعضهم وأنه ليست شخصية حقيقية، بل شخصية مختلقة كما ذكر ذلك المؤلف في صفحات كتابه. ولعل أعظم وسامٍ بعد مدح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لأويس قتاله بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين، حيث نادى عليه السلام: (من يبايعني على الموت) فجاءه تسعة وتسعون مقاتلاً، فقال أين تمام المائة التي وعدتُ بها؟ وإذا بأويس القَرَني يتمم تلك المائة ويبايعه على الموت، فيُقتل ويصلّي عليه أمير المؤمنين عليه السلام في معركة تُعد الفاصلة بين الحق والباطل.
بل إن أحد الأوسمة – وما أكثرها – هي: أن أحد الشاميين في صفِّين سأل شخصاً من جيش أمير المؤمنين عليه السلام: أفيكم أويس؟ قال: نعم، فعدل من جيش معاوية إلى جيش عليٍّ عليه السلام، ذلك أن أويساً كما روي عنه صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يشفع يوم القيامة بعدد قبيلة ربيعة ومضر.
ختاماً: يصعب اختصار الكتاب والتعريف به في هذه الكلمات القليلة، وإنما هو تعريفٌ بكتابٍ قيّم لشخصيّة عظيمةٍ، والكتابات قليلة بحق خير التابعين أويس القرَني المرادي نزيل الكوفة رضي الله عنه، والذي أرجو أن ينال حقه في التعريف بما هو يناسبه.

  مع كتاب (أوهام من مرويات السيرة النبوية) ? عبدالله بن علي الرستم بيانات الكتاب: أوهام من مرويات السيرة النبوية (روايات حديث غدير خُ...