الاثنين، 8 أكتوبر 2018

أبو الشهداء الحسين بن علي [عليه السلام] - العقاد



اسم الكتاب: أبو الشهداء الحسين بن علي [عليه السلام]
المؤلف: عباس محمود العقاد
الناشر: منشورات المكتبة العصرية – صيدا – بيروت (د. ت)
عدد الصفحات: 143 صفحة
قراءة: عبدالله بن علي الرستم

التعريف:
كعادته العقّاد في كتاباته، فهو صاحب أسلوب أدبي راقي .. يأسر القارئ بهذا الأسلوب في ما يكتبه، يضاف إلى ذلك أنه صاحب عقلية موسوعية ومفكرة في الوقت ذاته، فقد استفتح كتابه هذا بتوضيح أن الحسين بن علي عليه السلام يمثل قمّة الشرف والأخلاق لأنه ينحدر من أصلٍ طاهرٍ وأبوين عظيمين تربيا في مدرسة النبوة، وأن ندّه يزيد بن معاوية يمثل قمة الدناءة والخسّة لانحداره من مدرسة متسلّطة على رقاب الناس بالقوّة والغَلَبَة، وأن الصراع المتمثل بين الحسين بن علي عليه السلام ويزيد ليس صراعاً شخصياً!! بل صراعٌ بين الحق والباطل.

ثم يوضح العقّاد أسباب الخلاف بين بني هاشم وبني أمية إلى العصر المسمّى بالجاهلية حيث انفرد الهاشميون بالزعامة في قريش والأمويون بالزعامة في الشام، ثم يعرّج بعدها على العام الثامن للهجرة حيث إسلام أبي سفيان ومعاوية، ومحاولة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في تأليف قلبه للإسلام بشتّى الوسائل والسُبُل حيث جعل بيته حرماً من دخله كان آمناً، إلا أن تلك المحاولات لم تلقَ صدراً رحباً في قلبِ أبي سفيان الذي مازالت الجاهلية معشعشةً في قلبه حتى يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانعقاد السقيفة والإقرار بالخلافة لأبي بكر، حيث حاول بطُرُقِه أن يثير الفتنة بين المسلمين، وذلك بذهابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام والعباس وطلبه منهما أن يخلعوا الرجل من منصبه لأنه ليس بصاحب كفاءة وأنه على استعداد بإمداد علي والعباس بالخيل والرجال، إلا أن الأمير عليه السلام يعرف مغزى ذلك رافضاً هذا العرض المغري، الذي ينطوي بداخله إثارة فتنة بين المسلمين.

وكان ما كان من أحداث التاريخ من تولي أبي بكر وعمر وعثمان وأمير المؤمنين عليه السلام الخلافة، وعهد الإمام إلى ابنه الحسن عليهما السلام بالخلافة وموت الأخير بالسم على يد زوجته جعدة بنت الأشعث، أَحَسَّ معاوية بدنوّ الأجل، فقد أرسل إلى عُمَّاله بأخذ البيعة لابنه يزيد بالقوّة، فبايعوا مُكرَهين مع علم معاوية أن ذلك غير جائز في نظام الخِلافة إلا أنه طرحه ليبقي السُلطة في يد بني أُميّة.
ثم عرّج على طريقة يزيد في أخذ البيعة من أكبر منافسيه وهم: عبدالله بن عمر والحسين بن علي عليه السلام وعبدالله بن الزبير، حيث ذكر أن شخصية كـ(يزيد) تنقصه الخِبرة في إدارة الدولة، ذلك أنه طلب من واليه على المدينة أن يأخذ البيعة من منافسيه بالقوّة وإن رفضوا فليضرب أعناقهم، موضحاً في الوقت ذاته أن بني أمية حاولوا الاستفادة من رفع بعض الشعارات مثل: النبوة في بني هاشم فلا يصح أن تكون الخلافة فيهم، يضاف إلى ذلك استخدامهم العصبية القبلية في مد نفوذهم وسلطتهم على المجتمع الإسلامي ... وغير ذلك مما له شأنٌ في الحفاظ على كرسي الخلافة أو المُلك.

ثم يعمد العقّاد إلى عمل موازنة بين الشخصيتين، يخلص في تلك الموازنة أن الإمام الحسين عليه السلام ورث صفات بني هاشم كالشجاعة والإقدام والدين ...الخ، أما يزيد فلم يرث إلا القليل من الصفات المحمود الموجودة في بني أمية، وأنه لا مقارنة بين الشخصيتين حتى من جذورهما، ويوجز قوله أنه لو رأيت علوياً بعد أكثر من مائة سنة لرأيت فيه شخصية علي بن أبي طالب عليه السلام متجسدة فيه، ويضرب مثالاً على ذلك يحيى بن عمر العلوي، الذي تجسدت فيه صفات الشجاعة والإقدام والكرم وغيرها من الصفات الهاشمية.

ينتقل الحديث بعدها إلى مكانة وصفات الحسين وكرمه وسموّ أخلاقه ووفائه وشجاعته وما ينقل عنه في بطون الكتب التاريخية، وينتقل بعدها إلى شئٍ من المفارقة بينه وبين يزيد من حيث الخصال الحميدة التي تمثلت في شخصية الإمام الحسين عليه السلام وبين يزيد بن معاوية الذي لم يرث شيئاً من تاريخ أبيه وجده لا من حيث القدرة الإدارية ولا الالتزام الديني من ناحية عامة، بل كان همّه نفسه، ثم إن العقّاد ذكر شيئاً من مثالبهم، وشكك في ما يُسمى بالمناقب، ومنها ص46 ما يُنسب إلى معاوية كتابة الوحي فهذا على رأي العقّاد لا أساس له من الصحة، وقتله حجر بن عديّ.

أما عن حال معسكر يزيد فإنه يلخص قوله في ثلاثة شخصيات بارزة، ويذكر بعض مثالبها وهم: عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وعبيدالله بن زياد، وما دامت هذه الشخصيات التي لا تدعم سلطان بل كان وجودها للطمع المادي، فقد أودت بحياة يزيد، وأبرز ما يعيب هذه الشخصيات هو طمع ابن سعد في المال وعبيدالله بن زياد مشكوك النسب وابن ذي الجوشن متلبساً بالولاء للأمويين والحقد الأعمى لآل علي سمة بارزة فيه، بينما الذين التحقوا بجيش الحسين عليه السلام كان التحاقهم التحاق محبة في دين الله ودفاعاً عن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله.

يذكر في الصفحات التي تلي ما ذكرنا آنفاً قصة خروج الحسين من المدينة إلى مكة وإرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة والأحداث التي جرت لمسلم، وهي معروفة لمن قرأ شيئاً عن واقعة الطف، حيث تحوّل ذلك الجيش الكبير الذي التف حول مسلم بن عقيل في الكوفة إلى تأييد وهمي بعد أيّام حيث أثّرت فيه الأموال وتهديدات عبيد الله بن زياد مع جيشه الصغير، لتكون النتيجة قتل مسلم وهانئ بن عروة رضي الله عنهما وإرسال رأسيهما إلى يزيد، وقد أرسل الحسين عليه السلام بعد هذه الحادثة بعض الرسل إلى شيعته في الكوفة لاستكشاف الأمر، بيد أن تلك الرسل كُشف أمرها وقتلت، وأشار بعض من في ركب الحسين بالرجوع وآخرون بالمواصلة وآخرون بالتريّث، فخطب فيهم بأن من أراد اللحوق به وإلا فقد برأت ذمتهم، فلم يبق معه إلا القليل وجميع أهل بيته الذين صحبوه.

ثم جاء الحر بن يزيد الرياحي، وقد منع مفارقة الحسين عليه السلام إلا ويسلّمه إلى ابن زياد، فألقى الحسين عليهم الحجة تلو الحجة ويحذّرهم عاقبة المخالفة، وأتى رسول ابن زياد بعدها برسالة يطلب فيها الجعجعة بالحسين عليه السلام وإنزاله في أرض لا ماء فيها، وقد طلب زهير بن القين من الحسين عليه السلام قتال هؤلاء، فرد عليه السلام على زهير بأنه يكره أن يبدأهم بقتال.
ثم تنافس الثلاثة في تنفيذ سوء الخاتمة، فابن سعد متحيّر بين الجائزة وقتل الحسين عليه السلام، وابن ذي الجوشن وابن زياد متحمّسان في إراقة الدماء، ليدفعا العار الذي يلاحقهما من سوء النسب والخصال الذميمة، ليصلوا جميعهم إلى تنفيذ ما عزموا عليه من قتله عليه السلام، وتسجيل أسمائهم في ارتكاب أبشع جريمة عرفتها البشرية وهي قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

في فصل (خطأ الشهداء) ينسال قلمُ العقّاد بطريقته المعهودة حيث تحملُ بين طيّات ذلك السيلان الجميل كلمات رائعة حول ثورة الطف وهي قوله: (هي ليست ضربة مغامر من مغامري السياسة، ولا صفقةُ مساومٍ من مساومي التجارة، ولا وسيلةَ متوسّلٍ ينزل على حكم الدنيا أو تنزل الدنيا على حكمه) هذا هو ملخص الفصل الذي تحدث فيه عن صواب الطريقة التي اتخذها أبو الشهداء عليه السلام، فالثورة التي خاضها مع أصحابه وأهله لا تقاس بمقاييس، بل تقاس (بمقياسها الذي لا يتكرر ولا يستعاد الطلب من كل رجل) وأنها حالة نادرة في تاريخ البشرية، حيث أصبحت هذه الثورة الداء الذي نَخَر الدولة الأموية وأزالها إلى أنقاض من خلال الثورات التي تلت الثورة الحسينية المباركة.

يسترسل المؤلف في حديثه عن الحسين وأصحابه وأهل بيته، ليأتي على مدى تفانيهم وصبرهم واستعدادهم للموت دونه عليه السلام، موضحاً في الوقت ذاته عظمة المدينة التي اقترن اسمها باسم الحسين عليه السلام وهي (كربلاء)، وقد استرسل المؤلف في ذكر بعض مواطن المعركة التي أسماها بمعركة (النور والظلام) مركّزاً على بعض المواقع التي كانت تمثل موقفاً رسالياً للإمام الحسين عليه السلام، وأن الجُبْنَ والهزيمة النفسية متغلغلة في نفوس جيش الظلام جيش ابن زياد الذي أخذ على عاتقه مقاتلة الحسين عليه السلام بطريقة لم يكن للإنسانية فيها نصيب، وهي قتل الشيخ الكبير والطفل الصغير والاعتداء على النساء بالترويع، ثم تطرّق الكاتب إلى مقتل الحسين عليه السلام وأصحابه الكرام الذي وقفوا معه إعلاءً لكلمة الحق، مشيراً إلى الخسّة والدناءة في جيش الظلام الذي مارس صنوف الشر من أجل الشر، وليس من أجل الغنيمة، راسماً صورة جميلة حول الزوار الذين يطوفون بقبره وقبور الشهداء تخليداً لمقام الشهيد الذي يعتبر مكانه من أقدس وأشرف بقعة تظلها السماء.

أما عن مكان الرأس الشريف فهو لا يوليه أهمية، فهو يراه أنه اختلاف لفظي، وإنما التعظيم قريبٌ من قلب كل مسلم يحمل محبة لسيد شباب أهل الجنّة، فهو من كل الأماكن التي دُفن فيها مكان للتعظيم والتكريم.

وعن وقاحة ابن زياد يرسم بقلمه صورة الدناءة التي تمثلت في شخصية ابن زياد، والذي طاف بنساء بيت النبوة في كل بلاد، هاتكاً ستورهن، ومتعدياً على كرامتهن، ومتطاولاً عليهن، وقد رمى زينب عليها السلام بكلمات كانت شديدة على قلبها، فردّت عليه بكل رباطة جأش وفصاحة لسان، والتي لولاها لانقرض يوم كربلاء، والحال نفسه في مجلس يزيد الذي تطاول على بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان لزينب عليها السلام نفس الموقف الذي وقفته من ابن زياد بصلابة الإيمان الذي يتجسد في كل كلمة من كلماتها، مثبتاً في الوقت ذاته أن أفعال ولاته – يزيد – محل رضا وقبول، وإلا ما سبب سكوته على ما جرى في كربلاء وفي الهجوم على حريم المدينة وغير ذلك!!.

ولم يكن في حسابات يزيد أن تكون هناك ثورة عارمة بفعلته الشنيعة ببنات الرسالة في كربلاء، حتى طرد أهل المدينة واليه بعد أن أنكروا على يزيد فعله الأمور المنكرة، مما جعله يوجه لهم شخصية تمرّست على الشر، محاولاً إجبارهم على الولاء له، ولم يخضعوا لما أراد فأباح المدينة لجنده ثلاثة أيام نظير نكرانهم البيعة ليزيد، وقد كانت النتيجة لتلك المجزرة الفظيعة مقتل أكثر من عشرة آلاف إنسان بما فيهم أبناء المهاجرين والأنصار الذين هم صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، وقد جاء الرجل الكفؤ في اجتثاث الزمرة الفاسدة وهو: المختار الثقفي الذي قتل كل من له صلة بواقعة كربلاء من قريب أو بعيد من أتباع بني أمية، وقد كان رد الفعل العنيف الذي أودى بالدولة الأموية العريضة هو ما قام به الحجاج من قتل وسفك للدماء وأعظمها رميه الكعبة بالمنجنيق ليجعلها أثراً بعد عين.

في نهاية المطاف يختم العقّاد كتابه بكلمات مختزلة عن الشخصية التي ظفرت بعد تلك الواقعة، موضحاً أن يزيد ليس له مأثرة تُذكر بحقه فهو لم يرث شيئاً من الدهاء كما هو أبوه، والشخص الذي انتصر عسكرياً نراه يولّي مهزوماً أمام صفحة التاريخ، ليحلّ محله الشهيد الذي رسم الخلود بدمه الوضّاء، وهذه من آيات الانقلاب، منتقداً في الوقت ذاته الشيخ محمد الخضري الذي وضع جزءاً من اللوم على خالعي بيعة يزيد وأن الأوضاع التي حصلت في المدينة يتحملون نتيجتها، وعاذراً يزيد في بعض ما قام به من سلوك تجاه رعيّته. أما أبو الشهداء فهو الشخصية الوحيدة في تاريخ الدنيا التي أنجبتهم أسرة الحسين عليه السلام والذي ينظر إلى الخلود بعمله، أما عن عاشق الجمال فقد أعطانا نُتَفَاً من قصائد الشعراء كدعبل والكميت وابن الرومي والفرزدق والمعرّي لتكون هي الخاتمة التي سطرها لكتابه (أبو الشهداء الحسين بن علي) عليه السلام.
               
ويلاحظ على الكاتب القدير عباس العقاد ما يلي:
1.  عدم إيعاز المرويات الحديثية والتاريخية إلى مصادِرِها، وهذا في حدِّ ذاتهِ يُخِلُّ بالكِتابِ، خصوصاً أنه كان يعيش في عصر نهضة فكرية، ومع صحة بعض ما يذكره إلا أنَّ هذا من الأمور المهمَّة في كتابٍ كهذا، أو على الأقلِّ أن تقومَ بهذا الدَور دارِ النَّشْرِ التي نَشَرَتْ فِكْرَ العقّاد.
2.  ذكر كثيراً من الأحداث التاريخية التي هي بحاجة إلى تحقيق تاريخي، مثل: تسمية الحسن والحسين بعد ولادتهما بـ(حرب) من قبل أبيهما أمير المؤمنين عليه السلام، وتهديد الإمام الحسن عليه السلام على سجن أخيه الحسين حينما صالح معاوية ص42، وغيرها من الروايات التي يرسلها إرسال المسلّمات دون تحقيق وتوثيق، بينما نراه ص40 يشكك في رواية أن الحسين ولد لستة أشهر ويضعها ضمن الخزعبلات دون ترجيح مرجّح!! ومعلوم أن التشكيكات تأخذ مأخذها من نفوس القُرّاء لسهولة إطلاق أي كلمة في تلك التشكيكات، بينما الرد والبحث الموضوعي والمنهجي في مثل هذه المسائل تستلزم وقتاً طويلاً، والقارئ المتمكّن هو من يكتشف قدرة المؤلف من عدمها في تناول مثل هذه المسائل، وأظنُّ أن العقّاد جديراً بتناول هذه المسائل التحقيقية، لكنه أخفقَ في عدم تناوله هذه بنقاش موضوعي.



الثلاثاء، 31 يوليو 2018

مـن تُقلِّد / من يـُقَلـد؟!


من تُقَلِّد/من يُقلِّد؟!
بقلم/ عبدالله بن علي الرستم

لعل من الأسئلة التي قد تكون مزعجة لي في السنوات الأخيرة، هي (من تُقـلِّـد/من يُقلِّـد؟!)، والإزعاج ليس ناشئاً من غياب الجواب؛ بل من الأثر السلبي الذي يضفيه بعض السائلين متخذين في هذا السؤال وسيلةً للطعن في فلان من الناس، وتصنيفه أنه محسوب على مرجعيّة الفقيه الفلاني أو الفقيه الآخر. ويزداد عجبي حينما يكون السائل منشغلاً بهذه القضايا التي قد لا تزيده علماً ومعرفةً حينما يعلم أن فلاناً من الناس يرجع في تقليده إلى زيدٍ أو عمروٍ!!
فمن الآثار السلبية التي ينشغل بها بعض الناس في الاستغراق في معرفة من يقلِّد الشيخ الفلاني من الفقهاء، أو الخطيب الفلاني؟! ليقرر بعدها هل يحضر مجلس أبي عبدالله الحسين عليه السلام الذي يقرأ فيه الخطيب فلان أم لا؟! وعجبي ممن يشتغل بتصنيف الناس وكأنه وصيٌ عليهم، قد لا يمتلك معرفة كافية من سيرة أبي الشهداء عليه السلام، في حين أن مجالس أبي عبدالله الحسين عليه السلام مفتوحة لكل الشرائح والأطياف، خصوصاً وأن الروايات الواردة في إحياء أمرهم لا تكاد تُحصى، ومع ذلك هناك من ينشغل بالبحث عن تقليد الخطيب الفلاني ليقرر إن كان سيحضر مجلسه أم لا!!.

في الكلمات الآنفة لا أعني أحداً، ولستُ معنياً بالسائل أياً كان انتماؤه وتوجهه الثقافي؛ إلا أني سمعت عن هذه المسألة أكثر من مرة، وفي أكثر من مكان ولا زالت تتردد في عدة أماكن؛ ويبدو أنها حصلت في أماكن أخرى، بحيث يحصل تشنج أو نقاش حادٌ بين بعض الأفراد في استضافة الخطيب الفلاني من عدمه بحجة مرجعيته الفقهية!! ويا ليت أن تكون أسباب التشنّج أو رفض الاستضافة ناشئٌ من وجود علامة استفهام على الخطيب الفلاني، كأن يكون مثيراً للفتنة في البيت الشيعي، أو لافتعاله مسألة طائفية أو نحو ذلك؛ إنما ذلك يحصل من أجل التصنيف المرجعي، وكأن الحجة أو الحقيقة لا يمتلكها إلا من انتمى إلى المرجعية الفلانية.

وكم هو رجائي أن يتجاوز الأحبة الانشغال بهذه التصنيفات التي لا تساهم إلا في تفتيت وحدتنا الولائية وهويّتنا الشيعيّة، فنحن لا نكاد نهدأ من فتنة طائفية إلا ونصحو على فتنة داخل الوسط الشيعي!! وكأنه لا يوجد قضية نشتغل عليها وننشغل بها إلا تصنيف الناس بناءً على تقليدهم. علماً أني – بفضل الله تعالى – تربّيتُ على عدم الانشغال بتصنيف الناس وإلى من يرجعون في تقليدهم الفقهي؛ وقد صادقتُ أشخاصاً سنوات طوال ولم أسألهم عن تقليدهم؛ لأن تقليدهم لا يهمني؛ إنما يهمّني أخلاق الإنسان وصدقه وإخلاصه ومحبته وولائه لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم، ولم أعلم بانتماء بعضهم الفقهي إلا بعد سبع سنوات عبر حديث عَرَضي عفوي هو من تفوّه به دون أن يقصد.

خاتمة
مجالس أبي عبدالله الحسين عليه السلام تسع كل الديانات والمذاهب والتيّارات؛ فالحسين عليه السلام عظيم، ودليل عظمته أن الكل يتحدث عن ذلك السموّ المتألق في سيرته وتضحيته التي حرّكت قلوب الملايين من البشر لأخذ العظة والعِبرة من عطاءاته التي لا تُحصى، حيث لا زال السنّي والشيعي والمسلم والمسيحي وغيرهم يكتبون كتابات رائعة عن المولى الحسين عليه السلام، فهل نبجّل كتابات المسيحي ونترنّم بها، ونترك أصحاب النفس الولائي؟! تلك مفارقة عجيبة.  

الأحد، 29 يوليو 2018

موسوعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام .. مراجعة نقدية


موسوعة (مقتل الإمام الحسين عليه السلام)
مراجعة نقدية
بقلم: عبدالله بن علي الرستم
 هوية الكتاب:
الكتاب: موسوعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام .. توثيق لواقعة الطف من القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري. (1/6)
المؤلف: الشيخ محمد بن عيسى آل مكباس البحراني
الناشر: آيه حيات
الطبعة: الثانية 1435هـ (2014م)

التعريف بالكتاب:
صدر عن قلم الشيخ آل مكباس الكتاب آنف الذكر، والذي يُعد فكرة رائعة من حيث تجميع المقاتل غير المعروفة والمشهورة في كتاب واحد يرجع إليه الباحثون إذا ما أرادوا عمل دراسة حول هذا الموضوع في فترة محددة، حيث يعد هذا العمل التجميعي إضافة للمكتبة العربية، باعتبار أن بعض المقاتل مضمّنة في كتب التاريخ ذات المجلدات المتعددة، مما يصعب على بعض الباحثين غير المختصين الوصول إلى مرادهم لأسباب شتّى، فجزى الله الشيخ المكباس خير الجزاء على هذا العمل.
وقد بدأ مُعد الكتاب بمقدمة ذكر فيها أسماء من صنّف كتاباً في مقتل الإمام الحسين عليه السلام، وأردفها بمعلومات ضافية حول الإمام الحسين عليه السلام ، بدءاً من ذكر ولادته وأحاديث عن البكاء عليه واستحباب إتيانه، وكذا أحاديث حول أن الحسين عليه السلام مقتول كما قُدّر له في علم الله سبحانه وتعالى، مع ذكر أن الأنبياء والملائكة عليه السلام يعلمون ذلك، واستشهد المؤلف بذكر روايات تتحدث عن النوح وبكاء الأئمة عليه السلام على ما جرى في هذه الحادثة الأليمة.

أضاف المؤلف كذلك شيئاً من أدعيته وخطبه عليه السلام، وحول ما جرى على الأنبياء والمرسلين عليه السلام حال مرورهم كربلاء، مع تسليط الضوء على أبرز الأحداث المصاحبة لحياته عليه السلام في ولادته وخروجه من المدينة ولقائه جيش عمر بن سعد وحتى استشهاده وما جرى يوم مقتله ونحو ذلك. مستوفياً أبرز الأحداث التي حصلت في حياة سيد الشهداء كمقدمة للولوج إلى المقاتل التي صنّفها المؤرخون والعلماء من العامة والخاصة تفجعاً وتخليداً لذكرى السبط الشهيد.

وقفة:
لهذا العمل أهمية كبيرة، ولذا كانت لي وقفة معه من نواحٍ متعددة، وذلك لما تخلله من نقصٍ في الجوانب العلمية والفنّية. قد يختلف معي بعض المهتمين وكذا المعد لهذه الموسوعة وقد نتفق، حيث تسجيل هذه الملحوظات أتت لأهمية العمل الذي قام بإعداده الشيخ المكباس.

الملاحظات:
1. العنوان: جاء العنوان باسم "موسوعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام .. توثيق لواقعة الطف من القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري".
أقول: جميل أن يحدد المؤلف الفترة الزمنية التي يوثّق من خلالها عملاً ما، وذلك لما تشكّله هذه الفترة من مدلولات مختلفة، بيد أن المؤلّف لم يذكر لنا سبب تحديده الفترة الزمنية والتي تبدأ من القرن الأول وتنتهي بالقرن العاشر!!.
2. الالتزام بخطة عمل: قال المعد في ج1 ص20: (لقد قمنا بإعداد موسوعة تضم مجموعة من المقاتل، وهي أمّهات المصادر التي كتبت عن المقتل الشريف، ورتّبناها بحسب الفترة الزمنية). اهـ.
أقول: لم يلتزم المعد بهذا البند الذي وضعه، ذلك أن القارئ لا يرى ترتيباً زمنياً كما قال المعد، مثال:
في الأثناء التي نرى مقتل ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) في المجلد الأول، فإنه في الوقت نفسه نرى مقتل الطبراني (ت 260هـ) في المجلد الخامس، وقد تخلل بين المقتلين مقاتل متعددة في تواريخ مختلفة.
وكذا يأتي مقتل ابن عساكر (ت 751هـ) في المجلد الرابع، فإنه في نفس الوقت يأتي مقتل الذهبي (ت 748هـ) في المجلد السادس ... وهكذا.
وهذا خلاف البند الذي وضعه المُعد.
3. خطة العمل: إن عملاً موسوعياً كهذا الكتاب كان من المُرجى أن تكون له خطة عمل رصينة في مقدمته، وهذا ما لم يتوفر في هذه الموسوعة، وأقصد بخطة العمل طريقة المُعد في هذه الموسوعة والذي جاء فيها بالجمع العشوائي الذي لا يعرف كيف يبتدئ القارئ وكيف ينتهي؟! وقد ذكرتُ في الفقرة الثانية أنه لم يلتزم بما ألزم به نفسه، وهو ترتيب المقاتل وفق الفترة الزمنية.
4. المصادر: لم يعتمد المعد على مصادر محققة إلا في بعضها، ولم يباشر في تحقيق غير المحقق منها، حيث العمل التجميعي فنٌ، وكان على المعد أن تكون بصمته واضحة فيه، إلا أن العمل خلا من بصمته سوى الجمع فقط.
5. أصحاب المقاتل: تمنيتُ أن يأتي المُعد بتعريف موجز عن مصنّف كل مقتل؛ وذلك للتعرّف عليه وعلى شيء من ثقافته ومصنّفاته، فالسيرة تُفصح عن صاحبها.
6. المؤلفون في مقتل الحسين عليه السلام: بدأ المؤلف في ج1 ص6 في تعداد من ألّفَ في مقتل الحسين عليه السلام، حيث عدّ سبعة وسبعين عنواناً ممن ألّفَ في هذا الجانب.
أقــــول:
- لي ملاحظة على القائمة المذكورة تتمركز في أن المعد لهذه القائمة لم يَسِرْ على طريق واضح، ذلك أن المقاتل التي في القائمة أزعمُ أن جزءاً منها ليست من إعداده، وخصوصاً من الرقم (1) وحتى الرقم (33) حيث اقتبسها من مقدمة الشيخ فارس تبريزيّان الحسّون في تحقيقه لمقتل ابن طاووس ولم يُشِر إلى أنه اقتبسها منه.
- إضافة على ذلك أن بقية القائمة من (34) وحتى الأخير تختلف طريقة عرضها عن القائمة الأولى (1 33).
- ومما يزيد ثقتي فيما أزعمه أن هناك تكراراً في ذكر أسماء المقاتل، مثال: صاحب المقتل رقم (17) أبو عبدالله بن زكريا الغلابي (ت 298هـ) هو ذاته صاحب المقتل رقم (66) محمد العلابي، وأظن أن (العلابي) بالعين خطأ مطبعي، والصواب (الغلابي) كما في رجال النجاشي (ترجمة رقم 963). وكذا صاحب المقتل رقم (11) معمر بن المثنى هو ذاته صاحب المقتل رقم (71).
- لا أعلم سرّ هذا الذكر السردي للمقاتل دون ترتيب الفترة الزمنية، حيث فكرة الكتاب تتمحور حول ذكر المقاتل من القرن الأول وحتى القرن العاشر الهجري، بيد أن المعد لم يذكر أن هذه القائمة رصدٌ لما كُتب في هذا الباب أم مجرد ذكرٍ عابرٍ!! وإلا لاكتفى بذكر المقاتل إلى القرن العاشر الهجري.
- يبدو أن المعد لم يلتفت في نقله إلى عناوين المقاتل إلى بعض العبارات المبهمة، مثل: ج1 ص15 رقم (48) مقتل أبي عبدالله الحسين عليه السلام للمولى حيدر علي الشرواني المذكور في (ج 10: 115).
والسؤال: ماذا يقصد المعد من عبارة (المذكور في ج 10: 115)؟!.
وكذا في ج1 ص17 رقم (65) مقتل أبي عبدالله الحسين عليه السلام للشيخ أبي خمسين الأحسائي المتوفى سنة 1316 والمذكور غلطاً في ج21 ص80 بعنوان أبي حسين.
والسؤال: ماذا يقصد المعد من عبارة (والمذكور غلطاً في ج21 ص80)؟!.
وغيرها من العبارات المبهمة.
7. معنى كلمة مقتل: كان من المفترض أن يأتي المعد بمقدمة ضافية حول معنى كلمة (مقتل) وسبب انتشار تأليف المقاتل عند العامة والخاصة، فمن يقرأ مقدمات بعض المقاتل تتبين له أسباب شتّى في كتابة هذه النوعية من المؤلفات، وطرق مختلف بين السرد التاريخي والأسلوب الروائي ونحو ذلك.
8. الفرق بين ذِكر/ مقتل: يبدو لي أن هناك فرق بين كلمة (ذِكْر) وكلمة (مقتل) فالذِكر عبارة عن إشارة لما جرى على الحسين في كربلاء بشكل مقتضب، والمقتل أوسع من الذِكر حيث إنها تشمل بعض تفاصيل الأحداث في واقعة كربلاء، ولذا أرى أن المعد أسمى بعضها مقتلاً وهي لا تتعدى ثلاث صفحات مثل: تاريخ ابن الوردي ج4 ص269، ومقتل الدميري ج4 ص417 ... وغيرهما. فما ورد في هذه الصفحات لا يصل إلى مسمّى مقتلاً؛ بل ذكرٌ مقتضبٌ لما جرى على الحسين وأهل بيته وأنصاره.
ولو تم تسمية كل من كَتَبَ بضع صفحات عن سيد الشهداء سمّينا ما كتبه مقتلاً لكان الكتاب أكبر مما هو عليه الآن، ذلك أن كثيراً من المصادر التاريخية تناولت سيرة واستشهاد الإمام الحسين عليه السلام في صفحات معدودة، ولكن لا نستطيع إطلاق مصطلح (مقتل) عليها للأسباب آنفة الذكر.
9. التكرار: لا أعلم لماذا كرر المعد بعض المقاتل وشتت فيما بينها ولم يجعلها متلاحقة في نفس المجلّد، خصوصاً وأن بعضها يعود لنفس المؤلف، مثل:
ما أورده عن مروج الذهب للمسعودي ج2 ص133، وعن التنبيه والإشراف للمسعودي كذلك ج5 ص249. وكذا ما أورده عن تاريخ الإسلام للذهبي ج4 ص253 وسير أعلام النبلاء للذهبي نفسه ج6 ص165، وغيرهما ممن له كتابان وذكر شيئاً من مقتل الحسين عليه السلام. لذا لو وضعها متلاحقة مع ذكر المصدر لأصبح أحدهما مكملاً للآخر.
10. التخريج والتهميش: في هذه المقاتل مجموعة من المعلومات بحاجة إلى تخريج المصادر كالآيات والأحاديث الشريفة وأبيات الشعر والخطب ...الخ، ذلك أن إرجاع هذه المعلومات لمصادرها يزيد من قيمة العمل ويبرزه بشكل أفضل، ولذا أرى أن الشيخ حفظه الله لم يقم بهذه الأمور المهمّة.
11. المصادر: ذكر المعد مصادر هذه الموسوعة في نهاية الجزء السادس دون ترتيب ألفبائي كما هو المتعارف في رصف المصادر في كل الكتب، مع العلم أن بعض هذه المصادر ناقص المعلومات كاسم دار النشر واسم المحقق وبقية المعلومات اللازم توافرها في المصادر.
12. الفهارس: إن موسوعة بهذا الحجم والموضوع، حرية بأن تحظى بفهارس فنّية تخدم الباحثين في السيرة الحسينية؛ بل إن طبيعة الموسوعات المهمّة أن يكون لها فهارس فنّية، مثل: فهرس الآيات القرآنية، والروايات، والأعلام، والأماكن، والقبائل، وأبيات الشعر ... الخ.
13. بذل المعد جهداً جميلاً في تجميع هذه الموسوعة، إلا أنه في الوقت نفسه فاته بعض المقاتل التي من الجدير وضعها ضمن هذه الموسوعة، مثل:
- مقتل أبي العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي (ت 333هـ)، في كتابه المِحَن، الصادر عن دار العلوم بالرياض بتحقيق الدكتور/ عمر بن سليمان العقيلي عام 1404هـ وقد ذكر شيئاً مما يتعلق بمقتل الحسين في 18 صفحة.
- مقتل الحسين للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي (ت 363هـ)، في كتابه (شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار) الصادر عن مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ببيروت، بتحقيق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي مج3 ص134 ج12 في طبعته الثانية عام 1427هـ (2006م)، وقد جاء ذكر ما ورد على الحسين عليه السلام في كربلاء في 67 صفحة تقريباً.
- مقتل الحسين عليه السلام الذي جاء تحت عنوان "تسلية المجالس وزينة المُجالس"، للسيد محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الحائري الكركي (القرن العاشر) بتحقيق: فارس حسون كريم، الصادر عن مؤسسة المعارف الإسلامية بقم، الطبعة الأولى 1418هـ في جزئين كبيرين.
- وغيرها كثيرٌ مما لم يُثبته المُعد في هذه الموسوعة القيّمة.
14. ج5 ص263: قال المعد: محمد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي السبتي.
والصواب: البُستي، كذا قاله الذهبي في ميزان الاعتدال 3/506/7346.
15. من خلال التصفح في الموسوعة بدا لي أن المعد لا ينقل ما ورد في تلك المقاتل منذ بداية المقتل وحتى نهايته؛ بل إنّه يبدأ النقل منذ وفاة معاوية وتولية يزيد مروراً بأحداث كربلاء إلى شيء من أحداث السبي ونحو ذلك.
وتارة ينقل أشياء تبدأ منذ ولادة السبط الشهيد وحتى استشهاده، وهذا مما يجعل القارئ يتيه بين هذه التوثيقات التي تارة تبدأ بأحداث العام (60 هـ) وتارة تبدأ بولادته عليه السلام!!.
مثال: ج6 ص303 مقتل ابن الصبّاع المالكي (ت 855هـ) فقد ذكر المعد أحداث ولادة السبط عليه السلام وَنَسَبِه وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في حقه وعلمه وشجاعته ...الخ. وكذلك مقتل الطبراني ج5 ص101 حيث أتى على ذكر ما أورده الطبراني من روايات قبل أحداث عام (60هـ). في حين أن بعض المقاتل لا يذكر هذه الأمور وهي مثبتةٌ في المقتل المطبوع، مثال ذلك مقتل ابن طاووس في بداية الجزء 3 من الموسوعة، حيث بدأ بذكر أحداث عام (60هـ) من وفاة معاوية وما تلاها من أحداث ولم يذكر الأمور التي جاءت في المقتل قبل هذا العام!!.

ولذا تأتي أهمية خطة العمل التي لم يضعها المُعِد في مقدمته، والتي تساهم في سير الكتاب على نهج وطريقة واضحة، وكذا مساعدة القارئ في التعرّف على ما كتبه العلماء في مقاتلهم.

خــتامــاً:     
أرجو أن تكون الملاحظات المدوّنة أعلاه قد أضافت شيئاً مهماً يخدم هذه الموسوعة الفريدة في بابها، والتي بحاجة إلى تكريس الجهود في الاهتمام بكل ما له صلة في الموسوعات، وإن شاء الله تعالى يتدارك المعد ما له صلة بالموسوعة في طبعة لاحقة، وفقنا الله وإيّاه للعمل الصالح في خدمة محمد وآل محمد عليهم السلام.

الأربعاء، 18 يوليو 2018

هديتك (منتج حساوي)





من عاداتنا الحساوية
(هديتك مُنتج حساوي)
بقلم: عبدالله بن علي الرستم

بما أن هذه الفترة موسم الرُّطَب بجميع أصنافه وأشكاله وألوانه، فإنه بحسب ما تسعفني الذاكرة من أشياء شاهدتها وسمعتها ومارستها بفضل الله تعالى، فإن من سمات الشخصية الأحسائية حمل هدية من المُنتجات الأحسائية حال زيارة شخص ما، وتكون هذه الهدية حسب الموسم الزراعي (رُطب، تمور، خضروات، فواكه، شيء من الصناعات الخوصيّة ...الخ)، وهذا هو ديدنُ الأحسائي حال عزمه لزيارة صديقٍ له خارج الأحساء أو قريبٍ أو أي شخص كان.
بل كما أتذكّر قبل عشر أو عشرين عاماً ينصحنا الآباء على نحو التذكير أو التوجيه بحمل هدية من الأحساء للشخص الذي تُشدّ الرِّحال إليه؛ إضافة إلى ذلك يجب أن تكون الهدية في وضعٍ لائقٍ، فالرُّطبُ والتين يوضعان في مِخْرَف (إناء مصنوع من خوص النخل) أو قفصٍ مصنوعٍ من سعف النخيل أو سحّارة، وكذلك الحال لبقية المنتجات، ثم بعدها تطوّر الوضع في وضع تلك الثمار في كراتين؛ وتعود بي الذاكرة أن إحدى بنات عمّي زارتني حيث أسكن خارج الأحساء، وأعطتها والدتها سفرة من صنع يديها هدية لي ولا زلتُ أحتفظ بها، أما والدايَ – حفظهما الله – فإنهما مواظبان على هذه العادة في كلِّ زيارة لي خارج الأحساء، فلا يدخلان منزلي إلا وفي يديهما شيءٌ من تلك المنتجات التي تذكِّرني وتزيد من ارتباطي بالأحساء الحبيبة.

في المجمل فإن الأحسائي لا يحتار في اختيار هديته للشخص الذي سيزوره، بحكم الخيرات الكثيرة التي تتمتع بها الأحساء، سواءً كانت محاصيل زراعية أو مصنوعات يدوية أو غير ذلك، والأمر ذاته حال زيارةِ شخص من خارج الأحساءِ فإنه لا يرحل إلا ويُهدى شيئاً من المنتجات الأحسائية بحسب المتوفر وظروف الرجل صاحب الاستضافة.
والآن ونحن في العام 1439هـ، لا زلتُ أرى – بفضل الله تعالى – أن هذه العادة لم تنقطع، وأرجو لها أن لا تنقطع، فالأحسائي كريمٌ بطبعه، ويقدِّمُ بما تجود به يده حال زيارته لأي شخص من الأحساء أو خارجها، فالتهادي توجيه نبويٌ فيه مافيه من الفوائد الجميلة التي تعود على الإنسان بالسعادة وغرس المحبة من خلالها.
أرجو من كلِّ أحسائي أن لا ينسى حمل أي محصول أو مُنتج حال عزمه لزيارة شخص ما خارج الأحساء، شريطة العناية في طريقة تقديمها بما يتناسب مع التراث الأحسائي.

الجمعة، 22 يونيو 2018

رسالة في أن للموصى إليه بالتزويج ولاية أم لا؟ - عرض وتعريف



















بقلم: عبدالله بن علي الرستم

اسم الرسالة: رسالة في أن للموصى إليه بالتزويج ولاية أم لا؟
المؤلف: الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي آل عصفور الدرازي البحراني
تحقيق: الشيخ/ محمد مدن عمير القطيفي
الناشر: دار السداد لإحياء التراث البحرين + القطيف
تاريخ الطبع: الطبعة الأولى 1438هـ (2017م)
عدد الصفحات: 55 صفحة

التعريف بالرسالة:
شرع المحقق بالتعريف بصاحب الرسالة الشيخ/ خلف بن الشيخ عبد علي بن الشيخ أحمد آل عصفور الدرازي البحراني (ت 1208هـ) والذي يختلف عن شخصية أخرى تشابهه في الاسم وهو الشيخ/ خلف بن عبد علي بن الحسين العصفوري البحراني صاحب شرح (سداد العباد) لجده الحسين العصفوري، مما أوقع بعض المترجمين في شبهة بين الشخصيتين، حيث أشار المحقق إلى الاختلاف بينهما.
وأبان إلى عظمته من خلال كتب التراجم التي أتت على اسمه بالتبجيل والتعظيم لسعة علمه وقوّة حافظته، حيث كما قيل: إنه كان يحفظ كتاب (الوسائل) للشيخ الحر العاملي بأسانيده عن ظهر قلب. وقد كان للشيخ عدة تلاميذ منهم ابنه الشيخ أحمد.
وتاريخ الرسالة يعود إلى عام 1176هـ، ونسخها يعود إلى عام 1177هـ.

تصدَّرت الرسالة نقل آراء العلماء المختلفة في أن للمُوصى إليه بالتزويج ولاية أم لا؟، حيث أحال المحقق تلك الأقوال التي ذكرها الشيخ خلف إلى مصادرها من كتب أعلام الإمامية، وتبيين مواضعها من المصادر ، وهي رسالةٌ قصيرةٌ في مسألة فقهية، عنوانها يفصح عن ذلك.
ثم بعد ذلك شرع الشيخ خلف في تبيين الآراء التي نقلها بالنقض والاستدلال، حيث سلّط الضوء على بعض المصطلحات ببيان جليٍّ، مثل: معنى الصغير: هل هو الصغير/الصغيرة دون النكاح أو الصغير من بلغ سن النكاح أم المجنون أم غير ذلك، وقد تناول الشيخ خلف ذلك بالتفصيل مع تبيين المراد من كل مفردة، مستنداً في ذلك على روايات مدرسة أهل البيت عليهم السلام، والروايات التي فسّرت بعض الآيات المرتبطة بأمر التزويج والوصية؛ لأنه الشيخ خلف لا يعتمد على أقوال المفسّرين ما لم يقرنوا ذلك بما صدر من روايات أهل بيت العصمة عليهم السلام كما نقل المحقق في مقدمته.
وقد فنّد الشيخ/ خلف بعض الأقوال التي كما يراها لا تستقيم مع مطلب الروايات، وقد اكتفى في استدلالاته على رواية أو روايتين تفيان بالغرض، مع ذكره بأن المطلب لا يحتمل الإطناب بقيام الحجّة في الدليل الذي استدلّ به، أي: إن الأدلّة لديه فيما يناقشه كثيرة؛ بيد أنه يكتفي بدليل واضح وجليٍّ. ولا بأس بالإشارة إلى أن الشيخ/ خلف يستخدم السجع في حديثه، وهي طريقةٌ اعتادها بعض الأعلام، بيد أنه ليس من السجع المتكلّف، وفي هذا إشارة إلى أن لبعض الأزمنة طرقاً في التعبير ولغة تناسب زمانهم.

وقد بذل المحقق الشيخ/ محمد عمير جهده في إخراج هذه الرسالة إلى النور عبر لمساته الفنّية التي يتطلبها هذا العلم، وذكر منهجه في مقدمته، حيث اعتمد على نسخةٍ خطّيّة فريدة، وذكر مواصفاتها، وقام بتخريج ما ورد في الرسالة وإيعازه إلى مصادره، وأضاف بعض العناوين التوضيحية لتسهيل معرفة المطلب للقارئ، وأضاف بعض الكلمات في متن الرسالة ليستقيم المطلب مع توضيح ذلك بعلامات يعرفها أصحاب الفن، وغيرها من الأمور الفنّية التي أضافها الشيخ بناءً على أصول علم التحقيق والإخراج. يضاف في هذا الصدد أن الشيخ/ محمد عمير له عدة تحقيقات صدرت وغيرها سوف يصدر لاحقاً. نسأل الله له الموفقية والسداد في إخراج تراث علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

الاثنين، 11 يونيو 2018

الثقافة .. مشروع فكري وليس طقطقة



الثقافة .. مشروع فكري وليس طقطقة

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

جميلٌ أن نرى شريحة كبيرة من المتعلمين انكبابهم على اقتناء الكتب، وتفعيل القراءة في حياتهم اليومية، واستنهاض ملكة النقد والتقييم فيما يقرؤون، وفوائد أخرى يجنيها القارئ من فعل القراءة؛ وهذه الحصيلة من القراءة وتفعيل ملكة النقد والتقييم أمرٌ جميلٌ، حيث يساهم ذلك في صقل كثير من المواهب والطاقات الكامنة لدى هذا الإنسان الذي عُرف بين أقرانه بأنه مثقّف.

وفي ظل هذه المسألة من الانشغال بالثقافة لدى الإنسان، حريٌ به أن يعلم بأن الثقافة مشروعٌ فكريٌ وليس اقتناص بعض المسائل من بعض الكتب التي تجعله نقل أفكار غيره مؤيداً أو معارضاً دون أن تكون له بصمةٌ فيها، ذلك أن أخذ أقوال الآخرين ونقلها لا يعد ثقافة بالمعنى الحقيقي؛ بل هي مجرد نقل معلومات وجهود الآخرين فحسب، أما الثقافة الحقيقية فهي تستوجب السعي الحثيث في قراءة الواقع من عدة زوايا، وقراءة الحدث أو الموضوع محل العناية بجميع أبعاده، وليس بالضرورة أن تكون له بصمةٌ في ذلك التحليل أو الموضوع محل المناقشة، بيد أنه يستوجب عليه أن يعي أبعاد الموضوع ومتعلّقاته، بحيث إن كان مؤيداً أو معارضاً فليكن مستوعباً قبل نقل آراء غيره.

إضافة على ذلك، حريٌ بالإنسان أن يعيش الفكرة قلباً وقالباً، وأن تكون للفكرة واقعاً مُعاشاً وليس سباحة في عالم الخيال والانشغال بغير الأهم. حيث إن الانشغال بالثقافة لا يعني قراءة مجموعة من الكتب التي تدعم فكرة الشخص دون قراءة ما يعارضها أو ما يعالجها من جميع أبعادها؛ بل عليه أن تكون القراءة والبحث همّاً في حياته، وجعلها مشروعاً بحثياً من ناحية نظرية أو كتابيّة، كذلك عليه أن لا يستخدم لغة الجزم فيما اقتنع به أو توصّل إليه جرّاء قراءته لبعض الكتب في ذات الفكرة؛ بل عليه أن يكون متأنّياً في الطرح والمناقشة وهادئاً حال وجود آراء معارضة لما يذهب إليه.

ومما يؤلم أن شريحة من الناس تنشغل بِهَمِّ القراءة ردحاً من الزمن، ويناقش أفكاره وما توصل إليه مع شريحة لا تعيش هَمَّ الفكرة ولا هَمَّ القراءة، وهذا مما يجعل الإنسان يعيش حالةً من الزهو في عدم وجود من يصدّه أو يخالفه في الفكرة أو حتى يناقشه لسلكه الطريق الخطأ في مناقشة الأفكار. كذلك هناك شريحة تتوقف عند قراءة عشرات من الكتب ويرسم حياته وأفكاره بناءً على هذه القراءة المجتزأة، بحيث يتوقف عن فعل القراءة بناءً على تحصيله السابق في قراءاته لمجموعة من عشرات الكتب، وهذا من الخطأ الفادح الذي يعيشه شريحة من المثقفين، بينما المطلوب أن يكون الإنسان مواصلاً لما بدأه؛ لأن فعل القراءة والبحث سيلغيان بعض النتائج، وستصدمه الحياة بما اقتنع به قبل سنوات حال استمراره في القراءة والبحث والتمحيص؛ لأن العقل الناقد – إذا واصل القراءة - لا زال متوهجاً ومعاصراً لما يُطرح، بل ومعايشاً للواقع أكثر من الخيال الذي ربما يسبح فيه دون أدوات صالحة للاستعمال.

وأخيراً: إذا لم تكن القراءة مشروعاً ثقافياً للحياة، فستكون النتائج أقل من المرجوّ، بل ربما تكون نوعاً من الترف الثقافي الذي أشبه ما يكون بالطقطقة لإبراز الشخص نفسه، ويضع نفسه في قائمة المثقفين الذين لم يصنعوا شيئاً للحياة وضيّعوا وقتهم في قراءات لم تنضج بفعل التوقف.

الأربعاء، 6 يونيو 2018

هل القراءة مخيفة؟!


هل القراءة مخيفة؟!

بقلم: عبدالله بن علي الرستم

لا أعلم ما الذي يجعل كثيراً من الناس تأنف من القراءة!! والبعض الآخر يراها محطة تدمير لا تحرير من قيود الزمن، وحالُ بعضهم يراها أنها مضيعةٌ للوقت، وآخرون ...الخ. في حين أن شريحة كبيرة تُمارس هواياتها – غير القراءة - وتمنحها الوقت الطويل والذي قد يؤثر على واجبات أخرى، فيا ترى هل فعل القراءة خوفٌ من أمر ما، أم من شيء آخر؟!

بفضل الله عز وجل، أمارس القراءة منذ وقت طويل ليس بالضرورة تحديد بداياتي في ذلك، المهم أنّي أقرأ وأستفيد وأُفيد، وأنوّع قراءاتي عبر التنقل في أكثر من حقلٍ من حقول المعرفة، ومن خلال الوقت استطعت تمييز الغث من السمين، وانتقاء الجيّد من الرديء، فلولا القراءة لما عرفت التمييز بين هذا وذاك. ولعل سائلاً يسأل: وماذا بعد معرفتي بذلك؟! أقول: إن معرفة الشيء خيرٌ من جهله؛ لأني لا أخاف من معلومة تصدمني، في حين أن من لا يقرأ نراه ينصدم بمعلومة، وتارة لا يصدّق هذه المعلومة وتارة ...الخ، وهذا بفعل عدم ممارسة القراءة، ومن هنا على من لا يقرأ أن يجرّب تدريجياً ممارسة القراءة ولو في المجالات التي يحبّها، فالقراءة تمنحك سعة أفقٍ وقدرة في التفكير أوسع من عدم ممارستها.

يبقى القول أنه يجب أن لا نخشى القراءة؛ لما فيها من المُتعة وإعطاء حق العقل من التفكير ومعرفة ما يجري من حولنا؛ خصوصاً وأن بعض أوقاتنا مُهدرة كمواقع الانتظار، وطُرق السفر، وأوقات الفراغ، وحال طلب العزلة بدون سبب، وأشياء أخرى كفيلة بأن تكون القراءة هي الصديق الوحيد الذي يمنحنا تفعيل الطاقات الكامنة بداخلنا لاستكشاف العالم من حولنا، فلربما معلومة تقرؤها في كتاب تكشف عنك همّاً جاثما على صدرك، ولربما اطلعت على معلومة تمنح فيها فرجاً لغيرك، وفوائد كثيرة لا تُحصى.

وقد صنّف كثيرون في مجال القراءة وطُرق الجذب إليها، وهي بلا شك التفاتةٌ جيدةٌ من أولئك، بيد أن الأهم هو أن نُحرِّك تلك القابلية عبر التجربة .. فالتجربة خيرُ بُرهان.

نُشر هذا المقال في صحيفة (شاهد الآن) بتاريخ 9 رمضان 1441ه (2 مايو 2020م).

https://shahdnow.com/124045/


  مع كتاب (أوهام من مرويات السيرة النبوية) ? عبدالله بن علي الرستم بيانات الكتاب: أوهام من مرويات السيرة النبوية (روايات حديث غدير خُ...